27 أكتوبر 1913م .. اليوم الذي وقع فيه مبارك الكبير أول عقد نفطي في تاريخ الكويت
كيف بدأت حكاية الذهب الأسود في الخليج؟

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
27 أكتوبر 1913م اتفاق النفط الأول للشيخ مبارك الكبير ..
27 أكتوبر 1913م .. اليوم الذي وقع فيه مبارك الكبير أول عقد نفطي في تاريخ الكويت ..
وكيف بدأت حكاية الذهب الأسود في الخليج …
حين يذكر تاريخ النفط في الخليج العربي يظن كثير من الناس أن البداية كانت في البحرين عام 1932 أو في السعودية عام 1938 لكن الحقيقة الموثقة في الأرشيف البريطاني وفي وثائق حكام الكويت أن أول خيط رسمي يربط أرض الكويت بالنفط نسج في يوم السابع والعشرين من أكتوبر عام 1913 بتوقيع حاكم الكويت السابع الشيخ مبارك الصباح الملقب بمبارك الكبير اتفاقا يمنح بريطانيا حق التنقيب عن النفط في أراضي الكويت.
ولكي نفهم خطورة هذا التوقيع يجب أن نعود إلى ما قبل هذا التاريخ بعشر سنوات على الأقل ففي بداية القرن العشرين كانت الكويت إمارة صغيرة محاطة بأطماع كبرى من الشمال الدولة العثمانية تريد أن تضمها كقضاء تابع لولاية البصرة ومن الشرق بلاد فارس ومن الجنوب إمارة نجد بقيادة الملك عبد العزيز آل سعود ومن الغرب بريطانيا التي تسيطر على الخليج منذ طرد البرتغاليين وكانت تبحث عن موطئ قدم ثابت على البر بعد أن كانت تسيطر على البحر فقط
وكان الشيخ مبارك الصباح الذي تولى الحكم عام 1896 بعد مقتل أخيه الشيخ محمد قد أدرك مبكرا أن بقاء الكويت لا يمكن أن يكون بالحياد بل بالتحالف مع القوة الأكبر في الخليج فوقع مع بريطانيا معاهدة الحماية الشهيرة في 23 يناير عام 1899 والتي تعهدت فيها بريطانيا بحماية الكويت من أي اعتداء خارجي مقابل أن لا يتنازل الشيخ مبارك عن أي جزء من أراضيه ولا يمنح امتيازا لأي دولة أخرى إلا بموافقة بريطانيا وهذه الفقرة الأخيرة هي التي ستصبح مفتاح قصة النفط.
وفي نفس السنوات كانت بريطانيا تعيش ثورة استراتيجية كبرى داخل وزارة البحرية البريطانية فحتى عام 1911 كانت سفن الأسطول الملكي تعمل بالفحم وكان الفحم موجودا في بريطانيا نفسها لكن اللورد الأول للبحرية ونستون تشرشل قرر عام 1911 تحويل الأسطول من الفحم إلى النفط لأن النفط أسرع وأوفر وأقل دخانا فأصبح تأمين النفط مسألة أمن قومي لبريطانيا وليس مسألة تجارية فقط.
وهنا بدأت العيون البريطانية تتجه إلى الخليج ففي بلاد فارس كانت شركة النفط الأنجلو فارسية التي ستصبح فيما بعد شركة بريتيش بتروليوم قد اكتشفت النفط عام 1908 في مسجد سليمان وأصبحت بريطانيا تدرك أن باطن الأرض في شرق الجزيرة العربية غني بالذهب الأسود.
وفي هذا السياق جاءت بعثة بريطانية إلى الكويت عام 1913 برئاسة الكابتن ويليام شكسبير المعتمد السياسي البريطاني في الكويت والذي كان صديقا مقربا للشيخ مبارك ويجيد العربية ويعرف دهاليز السياسة الخليجية وجاء معه خبير جيولوجي من شركة النفط الأنجلو فارسية ليفحص التربة الكويتية.
وتشير الوثائق البريطانية المحفوظة في مكتبة الهند بلندن تحت رقم FO 1016 27 إلى أن الشيخ مبارك كان مترددا في البداية لأنه لا يعرف ما هو النفط ولا ما هي قيمته وكان يظن أن الأمر يتعلق بالقار الذي كان يستخدم لطلاء السفن وكان موجودا في منطقة بحرة شمال الكويت لكن شكسبير أقنعه بأن هذا الاتفاق سيكون حماية إضافية للكويت لأن بريطانيا إذا أصبح لها مصلحة اقتصادية في أرض الكويت ستدافع عنها بكل قوة ضد العثمانيين وضد غيرهم.
وهكذا وفي يوم 27 أكتوبر عام 1913 وقع الشيخ مبارك الصباح وثيقة تاريخية من صفحة واحدة باللغتين العربية والإنجليزية نصها كما هو محفوظ في الأرشيف الأميري الكويتي وينص على أنني أنا الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت أتعهد بأن لا أمنح امتيازا للتنقيب عن النفط أو استخراجه في أراضي الكويت لأي جهة كانت إلا بعد استشارة الحكومة البريطانية وموافقتها وأن أمنح الحكومة البريطانية الأولوية في أي امتياز من هذا النوع.
وهذا النص الدقيق مهم جدا لأنه لم يكن عقد تنقيب تجاري مفصل بشروط مالية ونسبة أرباح كما حدث لاحقا في البحرين والسعودية بل كان تعهدا سياسيا بمنح بريطانيا حق الأولوية والاحتكار وهو ما يسمى في القانون الدولي باتفاقية الامتياز المبدئي.
لماذا كان هذا اليوم مفصليا
لأنه لأول مرة في تاريخ الكويت يتم ذكر كلمة النفط بترول في وثيقة رسمية موقعة من الحاكم نفسه ولأنه قطع الطريق على الألمان والعثمانيين الذين كانوا يخططون لمد سكة حديد برلين بغداد وأن تمر عبر الكويت وأن يحصلوا هم على امتياز النفط ولأنه وضع الأساس القانوني لكل ما جاء بعده فبناء على هذا التعهد المبدئي عام 1913 جاءت اتفاقية 1922 ثم جاءت اتفاقية الامتياز الكبرى عام 1934 التي وقعها الشيخ أحمد الجابر الصباح مع شركة نفط الكويت المحدودة كويت أويل كومباني وهي شركة مشتركة بين البريطانية بريتيش بتروليوم والأمريكية غولف أويل والتي تكللت باكتشاف النفط بكميات تجارية في حقل برقان عام 1938 وهو ثاني أكبر حقل نفطي في العالم.
وهناك تفصيلة إنسانية مؤثرة يذكرها المؤرخ الكويتي عبد العزيز الرشيد في كتابه “تاريخ الكويت” أن الشيخ مبارك بعد التوقيع سأل شكسبير سؤالا بسيطا :
هل هذا الزيت الأسود الذي تتحدثون عنه سيغني الكويت عن الغوص على اللؤلؤ؟
فأجابه شكسبير : هذا الزيت سيجعل الكويت أغنى من لندن نفسها.
فضحك الشيخ مبارك ولم يصدق لأن اقتصاد الكويت كله كان قائما على الغوص والسفن الشراعية وتجارة التمور ولم يكن أحد يتخيل أن تحت الرمال التي يمشون عليها بحر من النفط سيغير وجه الكويت والخليج والعالم.
وبعد سنتين فقط من هذا التوقيع توفي الشيخ مبارك الكبير في 28 نوفمبر عام 1915 ولم ير النفط يخرج من أرضه لكنه كان الرجل الذي فتح الباب الذي دخلت منه الكويت إلى عصر النفط وإلى العصر الحديث.
ومن هنا فإن 27 أكتوبر 1913 ليس مجرد تاريخ قديم في كتاب بل هو اليوم الذي انتقلت فيه الكويت من كونها ميناء للغواصين واللؤلؤ إلى كونها لاعبا في معادلة الطاقة العالمية ومنه بدأت قصة طويلة من المفاوضات والاتفاقيات والصراعات التي انتهت بأن أصبحت الكويت عام 1946 أول دولة خليجية تصدر النفط بكميات تجارية كبيرة وأن يصبح النفط هو عصب الحياة فيها حتى اليوم.
ومن لا يتذكر تعهد مبارك الكبير في 27 أكتوبر 1913 لا يفهم كيف ولد اقتصاد الخليج الحديث وكيف تحولت رمال الصحراء إلى مصدر يضيء العالم ……
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
27 أكتوبر 1913م اتفاق النفط الأول للشيخ مبارك الكبير ..
27 أكتوبر 1913م .. اليوم الذي وقع فيه مبارك الكبير أول عقد نفطي في تاريخ الكويت ..
وكيف بدأت حكاية الذهب الأسود في الخليج …



