مدرسة المقيصرة سرار «أم المدارس» رائدة التعليم النظامي في يافع وحكايتها بين الدمج والانفصال (الجزء الثالث والأخير)

بقلم الأستاذ/ طاهر حنش أحمد
الخميس 5 نوفمبر 2026م

الحياة من جديد وباسم جديد

استعرضنا لكم في الأجزاء السابقة تاريخ تأسيس مدرسة المقيصرة سرار ومسيرتها التربوية الرائدة، وما تعرضت له من دمج وإلحاق، وظلت صامدة صمود الصخرة التي بُنيت عليها خلال فترة زمنية لأكثر من ستة عشر عاماً دراسياً من عام 1973/1972م وحتى 1988/1987م بحيث عادت لها الحياة من جديد وباسم جديد. لكن متى هذا؟؟

حدث هذا بعد أحداث يناير 1986م الدموية، وما ترتب عليها من تعديلات إدارية عندما أصبحت بموجبها سرار مركزاً إدارياً تابعاً لمديرية رصد الحديثة حيث جاء القرار التاريخي بفصل مدرسة المقيصرة عن مدرسة الشهيد محمد عبد الله، بناءً على طلب قدمته الجهات التربوية، وكانت الضرورة تقتضي ذلك نظراً لحجم التوسع وانتشار التعليم، وحملت المدرسة اسماً جديداً هو: «مدرسة الشهيد حسين محمد معبد» جاء ذلك بعد سنوات من التبعية والضياع الذي أصاب جانباً من الأرشفة والتوثيق والاستقلالية، ومع ما رافق تلك المرحلة من إهمال وتسيب دون إحداث أي تطور أو توسع يوازي تاريخ المدرسة ومكانتها.

ولكي يدرك القارئ حجم ما خسرته المدرسة خلال 16 عاماً من الدمج، فلينظر إلى هذه المقارنة الصادمة:

لاحظ المقارنة، وللمتابع حق القراءة والتحليل:

في العام 1973/1972م قبل الدمج كان عدد الصفوف الدراسية فيها من الصف الأول إلى الصف السادس ابتدائي «مدرسة ابتدائية مكتملة»، وعدد الطلاب 299 طالباً، والمعلمين 13 معلماً، وغرف المبنى 7 غرف دراسية، وبالأصل أربعة براقات كما تحدثنا سابقاً.
بينما في عام العودة 1988/1987م بعد الفصل أصبحت الصفوف من الأول إلى الرابع موحدة ذات الصفوف الثمانية، وعدد الطلاب 191 طالباً و87 طالبة، وعدد المعلمين 11 معلماً فقط. والمبنى نفس المبنى دون إحداث أي تطوير أو توسع.

ستة عشر عاماً انفصلت المدرسة ورجعت لتكوينها من الأول إلى الرابع باستثناء بعض الأعوام التي تم تثبيت الصف الخامس فيها لكنها عادت من جديد للبحث عن شخصيتها المستقلة بدءاً من تثبيت الاسم، واستخراج الختم، واعتماد الإدارة المدرسية.

تثبيت الأركان
بعد الفصل مباشرة تم تكليف الأستاذ محمد عبد الله الصامتي مديراً لها لتثبيت العمل فيها، واستمر فترة قليلة ثم تم ترشيحه للتأهيل في دار المعلمين ليتولى مهام الإدارة من بعده نخبة من الكوادر التربوية.

وبدأ تثبيت الصفوف الدراسية فيها، وسرعان ما اكتملت فيها المدرسة الموحدة ذات الصفوف الثمانية.
ولا يفوتني هنا إلا أن أسجل أسماء كوكبة المعلمين الذين كانوا يشكلون القوة الوظيفية فيها بتلك الأعوام، وكان لهم شرف إعادة الروح إليها وهم:
محمد سعيد محمد / فضل محمد عمر / عادل محمد حيدرة / عبد اللطيف عباد علي / ناصر صالح أحمد / عبده حسين عبد / يسلم ناصر حنش / مجيد صالح سعيد / خالد صالح سعيد / زيد عبد الله ناصر / محمد عبد الله الصامتي / عزيز محمد شائف / عبد الله سعيد حسين / علي منصور محمد / عبد الناصر حسين زين / حمود علي محمد / نبيل صالح علي / عارف علي حسين / علي ناصر علي / علي حسين جبران / عبد عبد الله ناصر / محمد سعيد شيخ / نبيل حسين علي / سعيد درويش حسين / محمد ناصر حنش / أحمد قاسم ثابت / صالح علي زين / محسن سعيد عبد الله / أحمد ناجي محمد / مبارك سرور عوض / علوي عمر محضار / علي زين أحمد / حسين محمد ثابت / مطيع علي منصور / فضل حسين جبران / يسلم قاسم راجح / نجيب محمد حسن / طه حسين محسن / منير زيد عقيل / جعبل حسين محسن.

وليَعذرني من لم يُذكر اسمه بسبب السهو والخطأ، وإنما بملاحظاتكم وآرائكم تكتمل الصورة.

بناء الذات
بعد حصول المدرسة على استقلاليتها وتخليصها من التبعية بدأت تتنفس الصعداء، فبدأت تتحرك إدارتها المدرسية ومجلس الآباء فيها، وذلك نتيجة ضغط الطلاب وازدحام الصفوف وتكدس القوة الوظيفية فيها. كل ذلك فرض على السلطة المحلية مراعاة كل تلك الأمور بجدية، وتم اعتماد لها مبلغ مالي وقدره 70,000 شلن في عام 1994/1993م من منظمة الحزب في سرار مع الاستفادة من مشاركة المجتمع عبر المبادرات الجماهيرية.

وتم تنفيذ بناء صف دراسي بواسطة المقاول أحمد ناصر البديلي، كما تم التنسيق من قبل الإدارة المدرسية ممثلة بالأستاذ سعيد درويش حسين مع مكتب التربية رصد بشأن الاستفادة من رسوم المدرسة إضافة إلى المبادرات الجماهيرية، وبناء صف آخر مقابل الصف الإضافي من البلك لتنافس من جديد نظيراتها المدارس داخل مركز سرار.

وظلت علاقتي بهذه المدرسة متواصلة ولم تنقطع بل أخذت شكلاً جديداً وأكثر شمولاً، وأصبحت أعود إليها من خلال الزيارات الاستطلاعية والتوجيهية والتقييمية، وكنت في كل زيارة أعود بذاكرة الطالب الذي عرف ساحاتها، وبوجدان المعلم الذي وقف في فصولها، وبخبرة المسؤول التربوي الذي تابع أداءها. واستمر ذلك حتى نهاية عام 1994م عندما أصبح مركز سرار مديرية مستقلة بذاتها.

ومن باب المزاح والمداعبة التاريخية: أن هذه المدرسة في بداية فصلها عن المدرسة الأم حاولت أن تنتقم لنفسها قليلاً! بالاستحواذ على فرع قرض الذي كان تابعاً للمدرسة الأم سابقاً، وكانت ترفع بياناته وطلابه عبر مدرسة المقيصرة، وكأنها تقول: كما أخذتموني فرعاً سآخذ فرعكم! لكن هذا الفرع بدأ يثبت أقدامه ويعلن استقلاليته، وأصبح مدرسة مستقلة بذاتها.

هدم الصرح القديم.. وجع آخر في الذاكرة
ومع مرور الزمن أصبح المبنى القديم غير ملائم، فكانت المتابعة والمطالبة بترميمه، وقد مر على بنائه أكثر من ثلاثين عاماً. في البداية تقدمت إدارة المدرسة بطلب للمهندس عمر ناصر لعمل دراسة ترميم، وعندما عمل الدراسة كانت التكلفة باهظة أكثر من بناء مدرسة جديدة. فكان الأمر صعباً جداً الأمر الذي حير الجهات لاتخاذ القرار بين الخيارين: الترميم أم الهدم؟

لكنه في عام 1996م، وأثناء زيارة مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية مديرية سرار صرّح لهم أن عندهم اعتماد بناء مدرسة للبنات فقط حينها طلبوا منه زيارة هذه المدرسة ومشاهدة وضعيتها، وعندما زارها أبدى استعداده لاعتماد بناء هذه المدرسة بشرط أن تكون باسم مدرسة للبنات.

وفي عام 1997م نزلت الموافقة، وتم توقيع محضر بذلك، وطُلبت مساهمة المجتمع 3.5%، وسرعان ما تم إقناع المقاول محمد ناصر لأخذ المقاولة ومنحه الحجارة والمشاركة بهدم المبنى مقابل تلك المساهمة.

لكن هذا لم يرضِ أطراف السلطة في المديرية بحجة احتياجهم لمبنى جديد خاص بالبنات في سرار لأسباب ضعيفة جداً إلا أن تدخل بعض الحكماء حال دون تلك العراقيل التي استدعت إلى تغيير الإدارة المدرسية مقابل الموافقة على تنفيذ المشروع، وتم تعيين الأستاذ فضل محمد عمر مديراً للمدرسة.

فهُدم المبنى وشُيد مبنى حديث مكانه مكون من دورين من 6 فصول وملحقات وسور، وأثناء البناء كان الطلاب يدرسون في المدرسة الثانوية في الفترة المسائية.

ولا اعتراض على أن تتطور المدارس وأن تكون بيئتها أكثر ملاءمة، فالتطور حاجة ضرورية لا غنى عنه. لكن ما يؤلمنا اليوم أننا لم نحتفظ حتى بصورة فوتوغرافية واحدة لذلك الصرح الذي احتضن أجيالاً متعاقبة. رحل المبنى، ورحلت معه تفاصيل كثيرة من الذاكرة.

ولو كانت هناك مساحة كافية لبناء المدرسة الحديثة إلى جوار المبنى القديم لكان بالإمكان أن يبقى ذلك الصرح شاهداً حياً على بدايات التعليم في سرار، وأن تبقى جدرانه تروي للأجيال قصة مدرسة بدأت بإمكانات محدودة ثم خرجت منها أجيال صنعت لنفسها ولمنطقتها طريقاً.

يا حسرة على مبنى كان يمكن أن يكون متحفاً لذاكرة التعليم، فإذا به يصبح ذكرى لا نملك لها صورة!

الخـــــــــاتـــمــــة
إن الحديث عن مدرسة المقيصرة «أم المدارس» ليس حنيناً إلى الماضي فقط، ولا بكاءً على الأطلال، وإنما هو شهادة للتاريخ، وأمانة علمية، ورسالة للأجيال، ودعوة لنتعلم من الماضي حتى لا نكرر أخطاءه.

وستظل مدرسة المقيصرة رغم كل ما مر بها «أم المدارس وذاكرة التعليم في سرار»، ولمن تابع معنا الأجزاء الثلاثة سيخرج بهذه الخلاصة والاستنتاجات:

أولاً: في التأسيس:
تأكد لنا أن المقيصرة هي رائدة التعليم النظامي في يافع تأسست عام 1965/1964م أي قبل الاستقلال، وكانت هي النبع الأول الذي تفرعت منه معظم مدارس المنطقة، فاستحقت بجدارة لقب أم المدارس.

ثانياً: في الدمج:
تعرضت هذه الأم لظلم تربوي حين تم دمجها وإلحاقها كمدرسة فرعية بمدرسة الطلائع الثورية لأكثر من ستة عشر عاماً من 1973/1972م إلى 1988/1987م، ورغم صمودها صمود الصخرة التي بُنيت عليها إلا أن هذا الدمج خلف أضراراً تربوية في ضياع استقلاليتها وأرشيفها وتاريخها، وبقيت بلا أي توسعة تذكر.

ثالثاً: في العودة والبناء:
ثم شاء الله أن يبعثها من جديد بعد أحداث 1986م بفصلها وعودتها باسم مدرسة الشهيد حسين محمد معبد لتبدأ مرحلة تثبيت الأركان وبناء الذات بجهود مخلصة من كوادرها ومجلس آبائها حتى هدم صرحها القديم عام 1997م، وشُيد مكانه مبنى حديث، لتبقى شاهدة على كفاح المعلمين والطلاب.

وانطلاقاً من قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}، وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}، فإن توثيق آثار هؤلاء الرجال هو من العمل الصالح الذي يبقى أجره.

لذلك فإنني أوصي وأدعو كل المهتمين بالشأن التربوي إلى ما يلي:

1- أن يولوا كتاباتي المتواضعة هذه عناية واهتماماً، فهي ليست كتابات شخص بل هي ذاكرة أمة جمعتها بعرق الجبين وسهر الليالي من أفواه الرجال ومن بطون السجلات، ومن واقع عايشتُه شخصياً حتى لا تضيع.

2- الدعوة لعقد ندوة أو ورشة عمل تربوية خاصة بتاريخ مدرسة المقيصرة تضم المدراء الذين تناوبوا على إدارة المدرسة بعد الفصل، وهم:
الأساتذة الكرام: محمد عبد الله الصامتي / سعيد درويش حسين / فضل محمد عمر السيد / محمد سعيد شيخ / مختار سعيد صائل / نجيب محمد حسن / بشير عاطف أحمد محسن / فتحي محسن ناصر الطالبي.

ومدراء المدرسة الأساسية السفلاء، ومجلس الآباء، واللجان المجتمعية، والشخصيات التربوية القديمة، والسلطة المحلية لجمع كل ما يتعلق بهذه المدرسة من وثائق وصور وروايات شفهية، وتصحيح ما ورد من سهو أو خطأ في هذه الأجزاء، فبرأيكم وملاحظاتكم تكتمل الصورة.

3- جمع هذا التاريخ في كتيب أو كتاب خاص يوثق مسيرة أم المدارس، ليكون مرجعاً للأجيال، ويوزع على المدارس والمكتبات حتى يعرف الجيل الجديد أن هذا المكان لم يبدأ من عام 1990م بل بدأ قبل الاستقلال، وأن البداية كانت من مدرسة المقيصرة ومنها انطلق النور.

4- تكريم أسرة صاحب فكرة تأسيسها وأوائل روادها ومعلميها الأوائل وفاءً وعرفاناً، فإن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، وتكريمهم هو تكريم للعلم نفسه، وهو إحياء لسنة الوفاء التي أمر بها ديننا الحنيف.

فالمؤسسات التعليمية العريقة ليست ملكاً لجيل واحد حتى يتصرف بتاريخها كيف يشاء، وإنما هي أمانة في أعناق الأجيال، وستظل مدرسة المقيصرة رغم كل ما مر بها أم المدارس وذاكرة التعليم في سرار تهمس للأجيال من فوق تلتها:

لذلك يجب أن يُكتب على واجهتها بخط واضح: تأسست عام 1965/1964م.

كما لا يسعني هنا إلا أن أتقدم إلى رجال المال والأعمال وأصحاب الخير، وأقول: إن هذه المدرسة تفتقد لساحة مدرسية يتنفس فيها الطلاب أثناء الاستراحات والطابور الصباحي، بحيث توجد بعض الأقماع الصخرية الصلبة أمام مبنى المدرسة تعيق حركة الطلاب وتعرضهم للمضايقات مما يصعب عليهم الحركة فيها ويعرض حياتهم للخطر.
والمطلوب هو تسوية مساحة متنفس مستوية تمكن الطلاب من حركة طبيعية وآمنة.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى