مصر تسير على حبل مشدود بين ‎السعودية و ‎الإمارات

أبين ميديا /متابعات /هيثم حسنين

مع احتدام التوترات بين السعودية والإمارات العربية المتحدة على خلفية تضارب الأجندات في اليمن والسودان ومناطق أخرى، باتت مصر أكثر وعيًا من أي وقت مضى بأن بقاءها الاقتصادي وأمنها القومي يعتمدان إلى حدٍّ كبير على هذين الخصمين الخليجيين، والانحياز إلى أحدهما على حساب الآخر قد يكون مكلفًا، غير أن اتساع الشرخ بينهما يجعل الحفاظ على حيادٍ كامل أكثر صعوبة.

ويمكن فهم الاستراتيجية المصرية الراهنة على أفضل وجه بوصفها سياسة “التجزئة المحسوبة”، أي الاقتراب من الإمارات عندما تكون السيولة الفورية وصفقات الاستثمار الضخمة على المحك، والاقتراب من السعودية في ملفات الأمن الإقليمي، وتبدو مصر في كلتا الحالتين، مصمّمة على الحفاظ على هامش من الاستقلالية الاستراتيجية في ملفاتها الجوهرية التي تمثّل “خطوطًا حمراء”.

شرايين الإنقاذ الاقتصادية وتنويع المخاطر
لا يمثّل البعد الاقتصادي للمنافسة السعودية–الإماراتية مسألة نظرية بالنسبة إلى القاهرة، بل هو مسألة وجودية، فمصر تعتمد اعتمادًا عميقًا على البلدين كشريكين ماليين، ولكن بطرائق مختلفة.

فقد أصبحت الإمارات المصدر الرئيسي للقاهرة في توفير السيولة السريعة، وتجسّد حزمة الاستثمارات التي قدمتها ابوظبي في رأس الحكمة عام 2023، والتي بلغت قيمتها نحو 35 مليار دولار، قدرة أبوظبي على ضخ العملات الأجنبية في الاقتصاد المصري بسرعة، والمساعدة في استقرار الجنيه، وتمويل مشاريع بنية تحتية بارزة.

ولا تستطيع القاهرة، في ظل البيئة المالية الراهنة، تحمّل كلفة إغضاب الطرف الوحيد المستعد لوضع مبالغ نقدية ضخمة على الطاولة في مهلة قصيرة إذا احتاجت لها مصر.

في المقابل، تُعدّ السعودية الركيزة الاقتصادية الاستراتيجية لمصر، إذ يُنظر إلى رأسمالها على أنه أكثر “مؤسسية”، حيث توفّر المملكة ودائع طويلة الأجل لدى البنك المركزي، وإمدادات من المنتجات النفطية بشروط تفضيلية عبر ترتيبات مع “أرامكو”، فضلًا عن تحويلات مالية حيوية من أكثر من مليون عامل مصري، تسهم في إبقاء أسرهم في مصر قادرة على الصمود.

وقد انتهجت مصر سياسة تنويع المخاطر بدلًا من المفاضلة بين هذين النموذجين والمخاطرة بالارتهان لمُموِّل خليجي واحد، ويعني ذلك السعي إلى جذب استثمارات سعودية لموازنة تنامي النفوذ الإماراتي في الأصول عالية القيمة والمشاريع الساحلية، وفي الوقت نفسه استثمار المنافسة الهادئة بين الخصمين للحصول على شروط استثمارية أفضل وتقييمات أعلى واستمرار الانخراط المالي من كلا البلدين.

وتُظهر واقعة حديثة تتعلق بمفاوضات الموانئ منطق هذه المقاربة، فقد أفادت تقارير في نوفمبر، بأن جهات إماراتية مرتبطة بشركة «ADQ» حصلت على حصة أغلبية في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، إحدى أهم شركات تشغيل الحاويات في مصر، عبر الاستحواذ على حصة بنسبة 19.3 في المئة من الشركة السعودية المصرية للاستثمار، غير أنه عندما قُدّم عرض إضافي في ديسمبر كان من شأنه رفع الحصة الإماراتية المجمّعة إلى نحو 90 في المئة، امتنعت الشركة القابضة الحكومية المصرية عن بيع حصتها البالغة 35.4 في المئة.

وتُظهر هذه التطورات أنه، في حين تبدي القاهرة استعدادًا لمنح الإماراتيين حصص أغلبية والسماح بتدوير رؤوس الأموال الخليجية داخل القطاعات الحيوية وخارجها، فإنها لا تقبل بالتفريط في سيطرة شبه كاملة على أصل استراتيجي مرتبط بقناة السويس.

ومن اللافت أن إسرائيل باتت بدورها جزءًا من هذه المعادلة، عقب الإعلان الشهر الماضي عن اتفاق جديد لتصدير الغاز الطبيعي إلى القاهرة حيث من المتوقّع أن تؤدي الكميات الإسرائيلية الإضافية غرضين متلازمين: تخفيف القيود عن قطاعي توليد الكهرباء والصناعة في مصر، وتغذية محطات الإسالة التي توفّر صادراتها إيرادات تحتاجها الحكومة بشدة.

ومع توسّع هذه العلاقة في مجال الطاقة، ستتزايد نقاط تقاطعها مع العروض الإماراتية والسعودية للاستحواذ على حصص في الموانئ المصرية واللوجستيات والبنية التحتية ذات الصلة، ويعني ذلك عمليًا، أن الخصمين الخليجيين باتا يتنافسان ليس فقط على النفوذ داخل الاقتصاد المصري، بل أيضًا على مواقع تحيط بأصول تُعدّ مهمّة لمسارات التصدير الإسرائيلية ولدور مصر كمركز إقليمي للغاز.

إدارة التباعد الخطِر في السودان
تزداد صعوبة معادلة الموازنة الخليجية في السودان، حيث تحمل التوترات بين أبوظبي والرياض مخاطر أشدّ ورهانات أعلى على الأمن القومي المصري.

وتنظر مصر إلى القوات المسلحة السودانية (SAF) بوصفها الشريك المؤسسي الذي لا غنى عنه لحماية حدودها الجنوبية، والحفاظ على استمرارية الدولة في الجوار، وصون إمدادات المياه من نهر النيل، وغريزتها الاستراتيجية تميل إلى دعم بنية دولة مركزية في الخرطوم، مهما شابها من قصور، بدل المجازفة بتفكك طويل الأمد.

في المقابل، وُجِّهت إلى الإمارات اتهامات متكررة بدعم قوات الدعم السريع (RSF)، التي تحققت مكاسبها الميدانية وتوسّعها الإقليمي على حساب تماسك القوات المسلحة السودانية، ويبدو أن أبوظبي تنظر إلى قيادة الجيش السوداني باعتبارها متساهلة أكثر من اللازم مع عناصر إسلامية وبقايا نظام البشير السابق، ومن ثمّ فإن دعم قوات الدعم السريع يهدف، جزئيًا، إلى منع عودة إسلامية كاملة، غير أن القاهرة ترى في هذا الدعم مصدر قلق أمني مباشر، نظرًا لخطر تكريس قوات الدعم السريع فاعلًا مسلحًا ثقيل العتاد وغير مقيَّد على المدى الطويل في السودان، لا يتقاطع بالضرورة مع أولويات مصر في ما يتعلق بالحدود وحقوق المياه وبناء مؤسسات الدولة.

وقد أوضحت القاهرة موقفها عبر الارتكاز إلى مسارات وساطة ترعاها السعودية بدلًا من مواجهة أبوظبي علنًا، فقد أظهرت المحادثات التي عُقدت تحت مظلة “منصة جدة” المدعومة أمريكيًا اتفاقًا عامًا بين المسؤولين المصريين والسعوديين على ضرورة الحفاظ على الهياكل الأساسية للدولة في السودان وتجنّب انهيار مؤسسي كامل.

وتأمل القاهرة بلا شك أن تتيح لها هذه المقاربة الاصطفاف مع الرياض بشأن مآلات المشهد السياسي السوداني، مع تقليص الاحتكاك المباشر مع الإمارات، حتى في ظل دعم دول الخليج أطرافًا تحمل رؤى ميدانية متباينة جذريًا.

أقرب إلى الرياض في البحر الأحمر واليمن
وتتماهى مصر عمومًا مع حدس السعودية في ما يتعلق بالأمن البحري الإقليمي، فكلا البلدين يضعان أولوية لحماية الممر بين قناة السويس ومضيق باب المندب، وضمان حرية الملاحة، ودعم الحكومات المركزية باعتبارها عماد النظام الإقليمي.

وتُبدي القاهرة تحفّظات إزاء نمط الإمارات في بناء النفوذ عبر الموانئ والجزر والوكلاء المحليين، كما يظهر في جنوب اليمن والقرن الأفريقي.

وقد يُفضي نهجٌ مفرط في الطابع الصفقاتي تجاه الفاعلين دون الدولتيين من وجهة نظر مصر، إلى تحويل حوض البحر الأحمر إلى فسيفساء من مناطق نفوذ متنافسة، بما يعقّد حساباتها الخاصة بأمن قناة السويس والدفاع الساحلي.

وبناءً على ذلك، نسّقت القاهرة بشكل أوثق مع الرياض في ملفات البحر الأحمر واليمن، مؤكدة أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة وتفادي صراعات الوكالة المفتوحة، وتحاول تجنّب المواجهة المباشرة مع المواقف الإماراتية بشأن جزر أو موانئ بعينها، مفضّلة العمل عبر أطر أمنية إقليمية أوسع وآليات تعاون بحري، بدل الخلافات الثنائية العلنية.

التحوط الاستراتيجي خارج نطاق الخليج
وسّعت مصر أيضًا خياراتها الخارجية لتجنب الوقوع في خيار ثنائي بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فانضمت رسميًا إلى مجموعة بريكس في يناير 2024، وهي خطوة لم تكن تهدف بالدرجة الأولى إلى تأمين تمويل جديد سريعًا، بل إلى تذكير الشركاء الخليجيين والغربيين بأن لديها بدائل، ولكن القاهرة تدرك أن هذه البدائل محدودة القيمة، لذا كان تواصلها مع الصين وروسيا انتهازيًا ومصلحيًا إلى حد كبير، أي سعيًا للحصول على صفقات أسلحة ومشاريع بنية تحتية ودعم دبلوماسي بتكلفة سياسية منخفضة دون محاولة حقيقية لاستبدال الدعم الأمريكي أو الخليجي.

وفي سياق آخر، حسّنت مصر علاقاتها بشكل ملحوظ مع قطر بعد سنوات من التوتر، مما فتح مصدرًا محتملاً آخر للاستثمار، وأشار إلى أنها ليست محصورة في أي معسكر خليجي واحد، كما عملت على تطبيع العلاقات مع تركيا والحفاظ على قناة تواصل فعّالة مع إيران، مما يعزز مكانتها كقوة إقليمية ذات سياسة خارجية مستقلة، وليست مجرد شريك ثانوي للسعوديين والإماراتيين.

هل ستُجبر مصر على الاختيار؟
على الرغم من أن الضغط الاقتصادي يجعل مصر أكثر براغماتية في تقديم تنازلات كبيرة لأحد الخصمين الخليجيين، إلا أن ذلك لا يترجم تلقائيًا إلى انحياز سياسي لأي من الجانبين، لكن القاهرة لاتزال تخشى “سيناريو كابوسًا” واحدًا: مواجهة مباشرة أو قطيعة دبلوماسية عميقة بين السعودية والإمارات تمتد إلى مجالات أمنية أساسية مثل البحر الأحمر أو منظومة جامعة الدول العربية، وفي هذه الحالة، يبدو أن تاريخ مصر وجغرافيتها وأولوياتها في البحر الأحمر ستجبرها على الانحياز إلى جانب الرياض، على الأقل نظريًا.

مع ذلك، فإن العلاقة الشخصية الوثيقة بشكل غير عادي بين الرئيسين المصري والإماراتي ستعقّد أي افتراض للانحياز التلقائي إلى الرياض، فقد أمضى عبد الفتاح السيسي ومحمد بن زايد العقد الماضي في التعاون الوثيق ضد جماعة الإخوان المسلمين وتبادل الزيارات رفيعة المستوى بشكل متكرر، فإذا اندلعت أزمة عميقة، فقد تدفع هذه العلاقة بين الزعيمين القاهرة نحو الإمارات حتى لو كانت مؤسسات الدولة المصرية تفضل غير ذلك.

من جانبهما، يمتلك كل من الحكومتين الخليجيتين أدوات للتعبير عن استيائهما إذا اعتقدتا أن القاهرة تميل كثيرًا إلى الجانب الآخر، مثل إبطاء صرف الودائع، أو تأخير دفعات الاستثمار الكبيرة، أو تخفيف حدة التفاعل الإعلامي والنخبوي، أو تشديد القيود على العمالة الوافدة بهدوء.

ويُعد هذا الشكل من الإشارات الاقتصادية المدروسة أكثر ترجيحًا بكثير من أي عقوبة علنية صارمة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن كل زعيم خليجي يخشى دفع القاهرة بالكامل إلى المعسكر المعارض، ولكن أيضًا لأنهم يعتبرون مصر “أكبر من أن تفشل” ولا يريدون المخاطرة بزعزعة استقرار لاعب محوري كهذا في الشرق الأوسط.

تداعيات على السياسة الأمريكية
من المرجح أن تواصل مصر نهجها المتمثل في مقايضة الوصول الاقتصادي الكبير بمساحة من المناورة السياسية، مستخدمةً التنافس الخليجي نفسه كورقة ضغط للحفاظ على قدر من الاستقلال ما لم يحدث انشقاق سعودي إماراتي أوسع نطاقًا، وبناءً على ذلك، ينبغي على واشنطن اتخاذ خطوات لمنع المنافسة الخليجية من زعزعة استقرار مصر، مع مراعاة المصالح الأمريكية الأوسع نطاقًا، بما في ذلك بيئة شحن مستقرة في البحر الأحمر، ودولة مصرية فاعلة، ومجال لمزيد من التنسيق العربي الإسرائيلي بشأن قضايا مثل غزة ما بعد الحرب:
+ اعتبار سياسة مصر في الموازنة بين الأطراف إشارةً إلى وجود ضغوط، لا مجرد انتهازية، وينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يفهموا أن استراتيجية القاهرة في تنويع شركائها وتجنب الخيارات الصعبة تعكس ضعفًا حقيقيًا، وليس مجرد تكتيكات تفاوضية.
+ عدم محاولة التدخل في كل عرض إماراتي وسعودي في مصر، بل يمكن لواشنطن استخدام الحوارات الاقتصادية رفيعة المستوى والأطر المرتبطة بصندوق النقد الدولي لتشجيع أدوار تكميلية للدولتين الخليجيتين، على سبيل المثال، توجيه إحداهما نحو قطاعات مثل الموانئ والخدمات اللوجستية، والأخرى نحو مشاريع الطاقة والصناعة، وهذا من شأنه أن يساعد في تجنب وقوع القاهرة في حروب مزايدة صفرية النتائج تغذي الخلافات بين الطرفين.
+ تعزيز حوار منظم وهادئ بشأن السودان واليمن وأمن البحر الأحمر، ويمكن للمناقشات التي ترعاها الولايات المتحدة بين أبو ظبي والقاهرة والرياض أن تساعد في منع تباين مقارباتها بشأن هذه القضايا من التحول إلى سياسات ومشاريع متنافسة تقوض الأهداف المشتركة.
+ مراعاة الدور المتزايد لإسرائيل في اقتصاد الطاقة المصري، لان المصالح الإماراتية والسعودية في الموانئ والبنية التحتية المصرية لها الآن تداعيات مباشرة على التعاون الإسرائيلي في مجال الغاز مع القاهرة، لذا ينبغي على المسؤولين الأمريكيين مراعاة هذه الروابط عند النظر في الصفقات المحتملة.

في نهاية المطاف، لن تتمكن مصر من النأي بنفسها تمامًا عن التنافسات الخليجية، ولكن إذا مُنحت مساحة كافية لمواصلة استراتيجيتها في الموازنة بين الأطراف، القائمة على تنويع المخاطر، والتجزئة، والاستقلال المحدود، فمن المرجح أن تظل شريكًا مستقرًا لواشنطن بدلاً من أن تصبح ساحة أخرى تستفيد فيها أطراف معادية للولايات المتحدة من المنافسة السعودية الإماراتية.

+ هيثم حسنين محلل متخصص في شؤون الشرق الأوسط، متخصص في العلاقات العربية الإسرائيلية ومصر والسياسة الأمريكية في المنطقة.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى