الساعة 1:23 صباحاً.. كيف تحوّل اختبار روتيني إلى أسوأ كارثة نووية ؟

أبين ميديا /متابعات /وائل زكير

في الساعة 1:23 صباحاً من يوم 26 أبريل 1986، شهد العالم واحدة من أخطر الكوارث في تاريخ الطاقة النووية، حين انفجر المفاعل رقم 4 في محطة تشيرنوبيل. لم يكن ما حدث نتيجة خلل مفاجئ أو حادث عابر، بل كان حصيلة سلسلة من الأخطاء البشرية والعيوب التصميمية التي اجتمعت في لحظة كارثية.

بدأت القصة باختبار سلامة روتيني كان من المفترض أن يعزز من أمان المفاعل، لكنه تحول إلى تجربة محفوفة بالمخاطر. في تلك الليلة، قام الفنيون بتعطيل أنظمة أمان حيوية، من بينها نظام التبريد الطارئ وآليات تنظيم الطاقة، كما سحبوا معظم قضبان التحكم التي تُستخدم لامتصاص النيوترونات وتقليل التفاعل داخل قلب المفاعل. ونتيجة لذلك، أصبح المفاعل غير مستقر، خاصة مع تشغيله عند مستوى منخفض من الطاقة لا يتجاوز 7%، وهو وضع معروف بخطورته في هذا النوع من المفاعلات.

كان تصميم مفاعلات ” RBMK-1000 “، المستخدمة في تشيرنوبيل، يحتوي على عيب جوهري يتمثل في معامل الفراغ الموجب، وهي خاصية تؤدي إلى تسارع التفاعل النووي عندما يتحول سائل التبريد إلى بخار، بدلًا من إبطائه كما في التصاميم الأكثر أمانا. هذا العيب، إلى جانب القرارات التشغيلية الخاطئة، خلق بيئة مثالية لانفجار لا يمكن السيطرة عليه.

خلال لحظات، خرج التفاعل النووي عن السيطرة، ما أدى إلى انفجار بخاري عنيف مزّق المفاعل ورفع غطاءه الذي يزن نحو ألف طن. ومع غياب هيكل احتواء مناسب، انكشف قلب المفاعل وبدأ في الاحتراق، مطلقا كميات هائلة من المواد المشعة إلى الغلاف الجوي. استمر تسرب الإشعاع لمدة عشرة أيام، وانتشرت أكثر من مئة مادة مشعة عبر أوروبا، بل ووصلت آثارها إلى مناطق بعيدة في آسيا وشمال أفريقيا وأمريكا الشمالية.

في الساعات والأيام الأولى، لقي العشرات حتفهم، معظمهم من رجال الإطفاء والعاملين في الموقع الذين تعرضوا لجرعات قاتلة من الإشعاع. لكن التأثير الحقيقي للكارثة امتد لسنوات طويلة، حيث ربطت الدراسات بين الحادث وزيادة معدلات الإصابة بالسرطان، خاصة سرطان الغدة الدرقية بين الأطفال نتيجة التعرض لليود المشع. وتتفاوت التقديرات حول عدد الضحايا على المدى الطويل، إذ تشير بعض الهيئات إلى نحو 4 آلاف وفاة، بينما ترفع دراسات أخرى الرقم إلى عشرات الآلاف، بل وتتحدث منظمات بيئية عن أعداد أكبر.

لم تكن الخسائر بشرية فقط، بل اجتماعية وبيئية أيضا. فقد تم إجلاء أكثر من 300 ألف شخص من المناطق الملوثة، وتحولت مدن بأكملها، مثل بريبيات، إلى مناطق مهجورة. كما أنشأت السلطات منطقة حظر بقطر عشرات الكيلومترات حول موقع الحادث، ولا تزال أجزاء واسعة منها غير صالحة للسكن حتى اليوم.

ورغم مرور أربعة عقود، لا تزال آثار تشيرنوبيل حاضرة. فبعض المواد المشعة التي انطلقت آنذاك، مثل السيزيوم-137 والسترونتيوم-90، يمكن أن تبقى في البيئة لمئات السنين، بينما تمتد أعمار نظائر أخرى إلى آلاف السنين. كما تشكل جزيئات الوقود المحتوية على البلوتونيوم خطرا طويل الأمد، خاصة عند استنشاقها.

في محاولة لاحتواء الكارثة، تم بناء غطاء خرساني مؤقت فوق المفاعل المدمر، عُرف باسم “التابوت”، قبل أن يتم استبداله بهيكل أكثر تطورا وأمانا في عام 2016، صُمم ليحتوي الموقع لمدة تصل إلى قرن. ومع ذلك، لا يزال الموقع هشًا، خاصة في ظل التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.

المفارقة أن الطبيعة، في غياب النشاط البشري، بدأت تستعيد عافيتها داخل منطقة الحظر، حيث تحولت المنطقة إلى ملاذ للحياة البرية. لكن هذا التعافي لا يعني زوال الخطر، إذ لا تزال مستويات الإشعاع في بعض المناطق مرتفعة بما يكفي لتهديد صحة الإنسان.

قدّمت كارثة تشيرنوبيل دروسا قاسية للعالم، وأسهمت في إعادة تشكيل معايير السلامة النووية على مستوى دولي. فقد أدركت الحكومات وشركات الطاقة أن التقليل من المخاطر أو تجاهل العيوب التصميمية قد يؤدي إلى عواقب لا يمكن احتواؤها. كما أبرزت الكارثة أهمية الشفافية، والاستعداد للطوارئ، وإشراك الجمهور في فهم مخاطر الطاقة النووية.

ورغم التطور الكبير في تصميم المفاعلات الحديثة، إلا أن الخبراء يؤكدون أن احتمال وقوع حوادث خطيرة لا يزال قائما، نظرا لتعقيد هذه الأنظمة. وتظل تشيرنوبيل تذكيرًا دائمًا بأن التكنولوجيا، مهما بلغت من تقدم، تحتاج إلى إدارة دقيقة ومسؤولة

كانت كارثة تشيرنوبيل نقطة تحول في تاريخ البشرية، كشفت حدود السيطرة على الطاقة النووية، وفرضت واقعا جديدا في التعامل مع أحد أخطر مصادر الطاقة في العالم

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى