4 أشهر على انسحاب القوات المسلحة الجنوبية من حضرموت: ما الذي تحقق؟

أبين ميديا/ حضرموت21| تقرير خاص
بعد مرور أربعة أشهر على انسحاب القوات المسلحة الجنوبية من مناطق في حضرموت مطلع العام الجاري، تتكشف اليوم ملامح مرحلة معقدة من إعادة ترتيب المشهد العسكري والأمني في جنوب اليمن، وسط تساؤلات متزايدة حول النتائج الفعلية لهذه التحولات، وانعكاساتها على الاستقرار، لا سيما مع بوادر عودة التنظيمات الإرهابية إلى الواجهة مجددا بعد أن ظلت لها القوات الجنوبية بالمرصاد لسنوات طويلة.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد الحراك الشعبي في مدن الجنوب، استعداداً لفعاليات الرابع من مايو، التي يُنظر إليها كاختبار جديد لحجم التأييد الشعبي للمجلس الانتقالي، في ظل محاولات خارجية مدعومة لإعادة تشكيل الخارطة العسكرية والأمنية على حساب المجلس الانتقالي، للحد من نفوذه في محافظات الجنوب.
تحولات ميدانية تعيد رسم المشهد
منذ أواخر ديسمبر 2025، شهدت حضرموت والمهرة تحركات عسكرية لافتة، مع دخول القوات الجنوبية ضمن عملية ميدانية أطلق عليها “عملية المستقبل الواعد” والتي هدفت إلى توسيع نطاق السيطرة الأمنية وتأمين تلك المناطق، قبل أن تتعرض هذه التحركات لمؤامرات خارجية في بداية يناير، أدت إلى انسحاب القوات الجنوبية تحت وطأة قصف جوي خلف عشرات القتلى وعددا كبيرا من المصابين.
هذا الانسحاب لم يكن مجرد خطوة تكتيكية، بل مثّل نقطة تحول في مسار إعادة توزيع القوة، حيث أعقبه انتشار تشكيلات عسكرية جديدة، وإعادة تموضع وحدات قائمة، في إطار ترتيبات أوسع شملت عدن وشبوة ولحج.
وفي حضرموت تحديداً، برزت مؤشرات واضحة على إعادة تشكيل موازين القوى، مع عودة وحدات عسكرية سابقة إلى وادي حضرموت، إلى جانب استمرار انتشار قوات شمالية، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول مستقبل إدارة الملف الأمني في المحافظة، خاصة في ظل مطالب متصاعدة بتمكين القوات المحلية والجنوبية.
إعادة هيكلة أم إعادة توزيع نفوذ؟
تُقدَّم هذه التحركات، رسمياً، كجزء من مسار لإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، ودمج التشكيلات المختلفة ضمن إطار وزارتي الدفاع والداخلية، بما يعزز الانضباط المؤسسي.
غير أن القراءة الميدانية تكشف – وفق مراقبين – عن مسار موازٍ لإعادة توزيع النفوذ، حيث طالت الإجراءات وحدات جنوبية لعبت دوراً محورياً في مكافحة الإرهاب، لا سيما في ساحل حضرموت منذ 2016.
كما شملت التغييرات إعادة توصيف بعض التشكيلات، وإخضاعها لإجراءات تنظيمية جديدة، بما في ذلك إعادة تسجيل الأفراد، وإعادة انتشار الوحدات، وهو ما اعتبره البعض محاولة لإعادة صياغة البنية العسكرية بما يقلل من استقلالية القوات الجنوبية.
في المقابل، ظهرت خطوات محدودة لاحتواء آثار هذه التحولات، عبر تشكيل لجان لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، والسعي لدمج عناصر محلية ضمن الأجهزة الأمنية التي ينتسب لها أيضا أفراد شماليون، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن.
المجلس الانتقالي بين الاستهداف وإعادة التموضع
في خضم هذه التحولات، يرى المجلس الانتقالي الجنوبي أن ما يجري يتجاوز مجرد إصلاحات تنظيمية، ليصل إلى مستوى “إعادة هندسة” المشهد الجنوبي بما يضعف حضوره السياسي والعسكري.
وتستند هذه القراءة إلى جملة من المؤشرات، بينها استهداف قيادات جنوبية بإجراءات قانونية، وإعادة توزيع القوات بطريقة اعتُبرت غير متوازنة، إلى جانب تنامي دور أطراف جديدة في إدارة الملف الأمني.
وقال العميد حسن باراس لموقع “حضرموت21”: “إن ما حدث خلال الأشهر الماضية لا يمكن فصله عن سياق أوسع يستهدف تقليص دور القوات الجنوبية، رغم أنها كانت ولا تزال العمود الفقري للاستقرار في حضرموت ومناطق واسعة من الجنوب”.
وأضاف: “التجارب أثبتت أن أي فراغ أمني ناتج عن إضعاف هذه القوات ينعكس مباشرة على الأمن، ويمنح الجماعات المتطرفة مساحة للتحرك”.
من جانبه، قال المناضل فهد بن هادي لموقع “حضرموت21”: “إن انسحاب القوات الجنوبية لم يُنهِ حضورها الحقيقي، لأن هذا الحضور مرتبط بإرادة شعبية واسعة ترى في هذه القوات صمام أمان، وليس مجرد تشكيل عسكري عابر”.
وأشار إلى أن محاولات إعادة تشكيل المشهد دون مراعاة هذه الحقيقة لن تجلب إلى المشهد سوى الإرهاب الذي عاد بقوة في نفس يوم انسحاب القوات الجنوبية.
المطالبة بعودة القوات الجنوبية
تتزامن هذه التطورات مع تصاعد دعوات في مدن الجنوب لإعادة تمكين القوات الجنوبية من إدارة الملف الأمني والعسكري في الجنوب، في ظل مطالبات متكررة بإنهاء حالة التداخل في التشكيلات وإعادة الاعتبار للقوات التي تشكلت محلياً منذ سنوات في عدن وحضرموت وشبوة وأبين.
وتتمحور هذه الدعوات حول ضرورة إعادة انتشار القوات الجنوبية في مواقعها السابقة، خصوصاً في حضرموت والوادي، وتمكينها من الملف الأمني بدلاً من الترتيبات الحالية التي يشوبها، بحسب أنصار المجلس الانتقالي، قدر من إعادة التوازن غير المنسجم مع الواقع المحلي. ويعتبر هؤلاء أن أي تسوية أمنية لا تعيد الاعتبار للقوات الجنوبية ستظل ناقصة ولا تعكس تطلعات الشارع.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن الحشود المرتقبة في عدن والمكلا وسيئون لا ترتبط فقط بإحياء ذكرى الرابع من مايو، بل تحمل أيضاً رسائل سياسية تتعلق بمطلب إعادة تمكين القوات الجنوبية كجزء من أي معادلة استقرار مستقبلية في الجنوب، إلى جانب كونها مؤشراً على حجم التأييد الشعبي لهذا التوجه.
وقال المحلل السياسي طايع بن حيدرة: “إن ما جرى خلال الأشهر الماضية أعاد ترتيب المشهد، لكنه لم يغيّر جوهره، فالقوات الجنوبية ما تزال تمثل القوة الأكثر ارتباطاً بالواقع الأمني في الجنوب”.
وأضاف: “فعاليات الرابع من مايو ستعكس أيضاً هذا المطلب الشعبي المتصاعد بوضوح، وستحمل رسائل بأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية لا يمكن أن تستقر دون إشراك القوات المحلية التي تشكلت من أبناء المحافظات الجنوبية”.
وأشار إلى أن “الزخم الشعبي المتوقع يعكس دعماً متزايداً لفكرة إعادة تموضع القوات الجنوبية في صدارة المشهد الأمني، باعتبارها الضامن الأكثر قبولاً مجتمعياً في المحافظات الجنوبية”.
مرحلة جديدة أكثر تماسكا
رغم التعقيدات التي أفرزتها مرحلة ما بعد الانسحاب، يرى مراقبون أن الجنوب لا يزال يمتلك فرصة لإعادة بناء منظومة أمنية أكثر تماسكاً، إذا ما جرى التوازن بين متطلبات الإصلاح المؤسسي والحفاظ على خصوصية التشكيلات المحلية.
لكن في المقابل، يحذر آخرون من أن استمرار إعادة توزيع القوة بشكل غير متوازن قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التوترات، خاصة في ظل حساسية التركيبة الجغرافية والسياسية في حضرموت.
وبين هذه المعادلات، يظل العامل الشعبي – وفق تقديرات واسعة – هو الأكثر تأثيراً، حيث أظهرت التطورات الأخيرة أن الحاضنة الاجتماعية للمجلس الانتقالي لا تزال قوية، وقادرة على فرض حضورها في المعادلة.
وفي كل الأحوال، فإن ما تحقق خلال الأشهر الأربعة الماضية لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع، عنوانه الصراع على مستقبل الجنوب، وهو صراع لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن ثابته الأبرز – حتى الآن – هو بقاء المجلس الانتقالي لاعباً رئيسياً يصعب تجاوزه في أي معادلة قادمة.








