ليلة السادس عشر من سبتمبر 1940 في التواهي

كتب: د. مسعود عمشوش

كان البحر في الخارج هادئاً هدوءاً كاذباً. ففي الطابق العلوي من مبنى مكتب النشر، -الذي أصبح مكان سكني بين سنتي 1981 و1985- وحيث تطل النوافذ على المرفأ وعلى تمثال الملكة فكتوريا البرونزي، كان الضوء يتسرب أصفر شاحباً من مصابيح خُفِّضت شدتها خوفاً من عيون الطائرات الإيطالية. لم تكن قد مرت سوى ساعات قليلة على آخر قصف اشتدّ على التواهي، وما زالت رائحة البارود تختلط برائحة البخور التي اعتاد الفرس وضعها في المجامر فوق طاولاتهم.

كان ستيوارت بيراون يذرع الغرفة جيئة وذهاباً كعادته، بعنقه الطويل ورأسه الأصلع، يشبه نسراً صغيراً نزع عنه القلق أبهته. توقّف عند الخريطة المعلّقة على الجدار، ووضع إصبعه على نقطة في الجانب الآخر من البحر الأحمر.

-«لقد أغلقوا البحر يا فريا،» قال دون أن يلتفت. «والمينا صارت هدفاً مكشوفاً. القذيفة التي سقطت قرب الرصيف اليوم لم تكن خطأ في التصويب.»

كانت زوجته فريا ستارك جالسة قرب النافذة، تتأمل القوارب الشراعية التي ما زالت — رغم كل شيء — تتحرك في المرفأ. ردّت بهدوء:

«وأنا لن أغادر، ستيوارت. النساء غادرن جميعاً على متن السفينة، وأنت تعرف أنني بقيت عمداً.»

في الركن المقابل، جلس الشاب علي محمد لقمان صامتاً، بثوبه الأبيض وربطة عنقه الحريرية، ويداه النحيلتان مطويتان فوق المكتب. كان في الثالثة والعشرين ويُتقن إخفاء مشاعره، إذ أنه تعلّم من البريطانيين فنّ الصمت الذي يخفي تحته كل شيء. كان قد سمع للتوّ، من شفتي ستيوارت، أن قراراً قد اتُّخذ: تسفير فريا إلى مصر.

رفع رأسه قليلاً، كما كان يفعل حين تأتيه أخبار الهزائم في الصباح، وقال بصوت خفيض:

«إذن ستأخذون منا الصوت الذي علّمنا أن دنكيرك ليست نهاية؟»

نظرت إليه فريا. كانت تعرف ما يعنيه. هي التي أعطته قصائد وردزورث ذات مساء، فعاد في الصباح والبريق يملأ عينيه، حاملاً سونيتتين مترجمتين إلى العربية شعراً، قائلاً: «هذه للعرب… إنها بطولية!»

ابتسمت فريا ابتسامة حزينة:

«الكلمات تبقى يا علي. وأنت من سيحملها بعدي.»

وفجأة ظهر على الباب، السيد فرامروز.

دخل العجوز يترجرج بجسمه المترهل، وقلنسوته ذات الخطوط البيضاء والسوداء، لكن وجهه لم يكن وجه التاجر الذي اعتاد استقبال البرقيات من بومباي. كان شاحباً، مثقلاً. وضع يده على حافة الطاولة وقال بصوت متهدّج:

«ماتت… زوجتي ماتت هذا المساء.»

ساد الغرفة صمتٌ ثقيل. توقف ستيوارت عن ذرعه. ونهض علي من كرسيه في منتهى اللطف والهدوء.

«القذيفة لم تصب البيت،» تابع فرامروز كأنه يحدّث نفسه، «لكن قلبها لم يحتمل صوتها. جلستُ على السطح كل هذه الأشهر مقتنعاً أن السماء الزرقاء مظلة آمنة… وكانت هي في الأسفل.»

اقتربت منه فريا ووضعت يدها على كتفه. هذا الرجل الذي قدّم مبنى مكتبه دعماً للحكومة، الذي اعتاد أن يرفع علي معنوياته أثناء الغارات — كان اليوم وحيداً وسط أثاثه الفيكتوري وصور الملوك على الجدران.

ثم جاء أنتونين بس كعاصفة من كريتر، «ملك سواحل البحر الأحمر»، محتفظاً بتألقه حتى في هذه الليلة. لكن وراء ابتهاجه المعتاد كان ثمة قلق حقيقي.

«سمعتُ بالقرار،» قال موجّهاً كلامه إلى ستيوارت مباشرة. «تريد أن ترسلها إلى مصر عبر بحر مفتوح للغواصات والطائرات؟ هذه ليست حماية، هذا تهور.»

ضاقت عينا ستيوارت. كان يعرف ما بين فريا والبس منذ سنوات؛ كل عدن كانت تتحدث ذات يوم عن «فريا وأنتون». والغيرة التي كان يعامل بها فريا — كأنها زوجته — اشتعلت الآن.

«القرار قرار الحاكم يا سيد بس،» قال ستيوارت ببرود. «وأنت تاجر، لا دبلوماسي.»

«وأنت لا تريد لها أن تذهب لأنك تخشى الطريق، أم لأنك تخشى أن تذهب بعيداً عنك؟»

تجمّدت اللحظة. اقترب ستيوارت خطوة، وقال بصوت خفيض لا يخلو من تهديد:

«إن حاولت أن تعرقل سفرها بكلمة واحدة لدى وكلائك في المينا — أُقسم إنني سأجد طريقة لأجعلك تختفي في هذا البحر الذي تظن أنك ملكه.»

ساد صمت كهربائي. كان علي يراقب المشهد بعينيه اللامعتين، وفرامروز ما زال غارقاً في حزنه، وفريا — وحدها فريا — وقفت بينهما كأنها الجسر الذي تتحدث عنه دائماً: بين عالمين، بين رجلين، بين زمنين.

قالت أخيراً، بصوت حسم كل شيء:

«سأذهب إلى القاهرة. لكنني سأعود إليكم جميعاً — إلى التواهي، إلى كريتر، إلى هذا المكتب الذي علّمني أن الكلمات والصمت ينبعان من المكان نفسه في القلب.»

نظرت إلى علي:

«تابع النشرة. ووالدك سيُصدر صحيفته. والصوت الذي بدأناه بالأمس في الإذاعة لن ينقطع.»

ثم التفتت إلى أنتونين:

«أنت ستحمي البحر، وأنت يا ستيوارت ستحمي المكتب. وأنا سأحمل عدن معي أينما ذهبت.»

في الخارج، عاد المؤذن إلى الميدان، وارتفع صوته فوق المتاريس والسفن المثقّبة بالطلقات. وفي الأسفل، بدأ الفرس دعاء الليل، وتصاعدت رائحة البخور لتملأ الغرفة الصامتة التي جمعت، لليلة واحدة، كل تناقضات عدن.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى