أين تقع المحكمة الدولية .. ولماذا اختار العالم مدينة لاهاي لتكون عاصمة العدالة؟

كتب: الشيخ أحمد سعيد العمودي
حين يسمع الناس كلمة المحكمة الدولية يظنون أنها محكمة واحدة .. والحقيقة أن هناك محكمتين كبيرتين في العالم .. وكلتاهما في مدينة واحدة .. مدينة صغيرة هادئة على بحر الشمال اسمها لاهاي في هولندا .. حتى سميت عاصمة القانون الدولي في العالم.
أولا .. محكمة العدل الدولية .. محكمة الدول
المحكمة الدولية الأساسية التي يقصدها الناس هي محكمة العدل الدولية .. International Court of Justice .. وتقع في لاهاي في هولندا في قصر السلام الشهير .. Palais de la Paix
هذه المحكمة هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة .. تأسست عام 1945م مع تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية خلفا لمحكمة العدل الدولية الدائمة التي كانت في عهد عصبة الأمم.
مقرها في قصر السلام .. وهو قصر بني عام 1913م من تبرعات رجل الأعمال الأمريكي أندرو كارنيجي الذي كان يحلم بالسلام العالمي .. فبنى قصرا ليكون مكانا لحل النزاعات بين الدول بالكلام لا بالسلاح .. والقصر اليوم آية في الجمال .. بني من الحجر وفيه قاعات فخمة أهدتها دول العالم .. ففيه قاعة يابانية وقاعة مصرية وقاعة تركية.
مهمة هذه المحكمة أنها تحل النزاعات بين الدول فقط .. دولة تشتكي دولة .. مثلا نزاع على الحدود أو على جزيرة أو على مياه .. ولا تحاكم أفرادا .. وفيها خمسة عشر قاضيا من جنسيات مختلفة ينتخبون لمدة تسع سنوات.
ثانيا .. المحكمة الجنائية الدولية .. محكمة الأفراد
وهناك محكمة أخرى في نفس المدينة لاهاي وهي المحكمة الجنائية الدولية .. International Criminal Court .. ICC .. ومقرها أيضا في لاهاي لكن في مبنى حديث منفصل على أطراف المدينة افتتح عام 2015م.
هذه المحكمة مختلفة تماما .. فهي لا تحاكم دولا بل تحاكم أفرادا .. رؤساء ووزراء وقادة جيوش متهمين بجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية .. تأسست عام 2002م بعد توقيع نظام روما عام 1998م .. واليوم أكثر من مائة وثلاث وعشرين دولة عضو فيها.
وهي التي أصدرت مذكرات توقيف بحق قادة في السودان وليبيا وأوغندا وغيرها.
ثالثا .. لماذا لاهاي .. قصة مدينة السلام
لماذا اختار العالم مدينة لاهاي لتكون عاصمة القانون .. لماذا ليست نيويورك حيث الأمم المتحدة .. ولا جنيف حيث حقوق الإنسان
السبب يعود إلى عام 1899م .. ففي ذلك العام دعا القيصر الروسي نيكولاس الثاني إلى عقد أول مؤتمر سلام في التاريخ في لاهاي .. فاجتمع فيه ممثلو ست وعشرين دولة ليضعوا قوانين الحرب .. ومنع استخدام الغازات السامة .. ومن ذلك الوقت أصبحت لاهاي مدينة المؤتمرات القانونية.
وفي عام 1907م عقد فيها مؤتمر لاهاي الثاني .. ووضع أسس القانون الدولي الإنساني .. فأصبحت المدينة رمزا للعدالة.
ولذلك حين أسست عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى وضعت محكمتها في لاهاي .. وحين أسست الأمم المتحدة أبقت المحكمة في نفس المكان .. فأصبحت لاهاي مقرا لكل المحاكم .. فيها محكمة العدل الدولية .. والمحكمة الجنائية الدولية .. ومحكمة التحكيم الدولية .. والمحكمة الخاصة بلبنان ويوغسلافيا سابقا.
رابعا .. ماذا يوجد في لاهاي غير المحاكم
لاهاي ليست فقط محاكم .. بل هي مدينة جميلة على ساحل هولندا .. فيها مقر الحكومة الهولندية والبرلمان والملك .. وفيها أكثر من مائة وخمسين منظمة دولية .. وفيها مكتبة قصر السلام التي تعتبر أكبر مكتبة قانون دولي في العالم .. فيها أكثر من مليون كتاب قانوني.
ومن يزور قصر السلام يرى تمثال رجل يجلس وبجانبه مطرقة العدالة .. وعلى مدخل القصر مكتوب عبارة إذا كان السلام من العدالة فلتكن العدالة من القانون.
هكذا نرى أن المحكمة الدولية ليست مكانا واحدا بل منظومة كاملة .. محكمة للدول ومحكمة للأفراد .. وكلتاهما في لاهاي .. مدينة اختارها العالم لأنها كانت مدينة سلام قبل أن تكون مدينة محاكم.
ومن عدن كريتر نتمنى أن يأتي يوم نرى فيه العدالة الدولية حقيقة لا شعارا .. وأن نرى الظالم يحاكم والمظلوم ينصف .. فالعدالة هي أساس السلام.
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي



