الطفولة في قبضة الشاشات.. من يحمي أبناءنا؟

كتب: أ. د. مسعود عمشوش

 

لم تعد الشاشات الصغيرة نوافذ نطل منها على العالم فحسب؛ لقد تحولت، في حياة ملايين الأطفال والمراهقين، إلى عوالم بديلة تستولي على الوقت والانتباه، وتعيد تشكيل الوعي والذائقة والسلوك. وبينما يظن الآباء أنهم يمنحون أبناءهم أدوات لمواكبة العصر، قد يكونون، من حيث لا يشعرون، فتحوا أمامهم أبوابًا يصعب إغلاقها، ووضعوهم في مواجهة عالم افتراضي لا يعرف الرحمة، ولا يقيم وزنًا للطفولة، ولا يعنيه من أمر مستخدميه سوى بقائهم أطول وقت ممكن أمام الشاشات.

 

في مختلف بقاع العالم، أصبح من المألوف أن يحمل الطفل هاتفًا ذكيًا في العاشرة من عمره، بل قبل ذلك أحيانًا. ولم يعد الجهاز مجرد وسيلة للتواصل مع الأسرة أو الاستعانة به في التعلم؛ إنه رفيق لا يفارقه، يرافقه إلى المدرسة، ويجلس معه إلى مائدة الطعام، ويزاحم الأسرة في أحاديثها، ويتسلل إلى ساعات نومه. وهكذا، تتراجع مساحات اللعب الحقيقي، وتضيق فرص التواصل الإنساني المباشر، ويكبر الطفل داخل عالم افتراضي قد يمنحه آلاف الأصدقاء، لكنه لا يضمن له صديقًا واحدًا يجلس إلى جواره حين يحتاج إلى المواساة.

 

إننا لا نواجه مجرد ظاهرة تكنولوجية عابرة، بل تحولًا عميقًا في علاقة الأجيال الجديدة بالعالم. فالطفل الذي اعتاد الحصول على المتعة الفورية بضغطة إصبع، ومشاهدة عشرات المقاطع في دقائق معدودة، قد يجد صعوبة في الصبر على كتاب، أو متابعة فكرة طويلة، أو بناء علاقة إنسانية تتطلب الإصغاء والانتظار والتفهم. وحين تصبح الشاشة المصدر الأول للمتعة والمعرفة والتقدير الاجتماعي، يغدو الابتعاد عنها ضربًا من الحرمان، وقد يتحول الاستخدام المتكرر إلى سلوك قهري يؤثر في الدراسة والنوم والصحة النفسية والعلاقات الأسرية.

 

والأخطر أن هذا العالم المفتوح لا يقدم للصغار المعرفة والترفيه وحدهما؛ إنه يضعهم أيضًا أمام محتويات صادمة، وتنمر إلكتروني، واستغلال، وصور نمطية مضللة، وضغوط اجتماعية قد تفوق قدرتهم على الفهم والمواجهة. وقد دفعت بعض التجارب المؤلمة مراهقين إلى إيذاء أنفسهم أو التفكير في الانتحار، تحت وطأة التنمر أو الابتزاز أو التأثر بمحتويات خطرة. وليس معنى ذلك أن وسائل التواصل تقود حتمًا إلى هذه النتائج، لكن تجاهل المخاطر التي قد تتفاقم بسببها، ولا سيما لدى الفئات الهشة، ضرب من الاستهتار بمستقبل الأجيال.

 

والمفارقة أن الأطفال يدخلون هذه العوالم قبل أن يمتلكوا النضج الكافي لفهمها، بينما يقف كثير من الآباء عاجزين عن معرفة ما يشاهدونه، أو من يتواصلون معهم، أو كيف تؤثر فيهم الخوارزميات التي تختار لهم المحتوى وتدفعهم من مقطع إلى آخر. أما أدوات الرقابة الأبوية، على أهميتها، فلا توفر حماية مطلقة، ولا تستطيع وحدها مواجهة كل أشكال التحايل أو المحتوى الضار أو التأثير النفسي المتراكم. فالمشكلة أوسع من تطبيق يراقب، أو كلمة مرور تمنع، أو ساعات استخدام يحددها الأبوان؛ إنها تتعلق ببيئة رقمية كاملة صُممت لتنافس الإنسان على انتباهه، وتستثمر في بقائه متصلًا بها.

 

لكن ما الذي يحرك هذه المنصات، ويجعلها تتوسع في استقطاب الأطفال والمراهقين، رغم ما يحيط باستخدامهم من مخاطر؟ إنه، في جانب أساسي منه، منطق الربح. فشركات التواصل الاجتماعي لا تتنافس على تقديم المعرفة أو تنمية الإنسان بقدر تنافسها على جذب المستخدمين، وإطالة مدة بقائهم، وزيادة تفاعلهم؛ إذ تتحول المشاهدات والإعجابات والنقرات إلى بيانات وفرص إعلانية وأرباح طائلة. وفي هذا السباق، يصبح انتباه الطفل سلعة ثمينة، وتغدو براءته سوقًا واعدة، بينما تتراجع مسؤولية حماية نموه النفسي والاجتماعي أمام إغراءات العائد التجاري.

 

ولا تنجو مجتمعاتنا العربية المتخلفة من هذه المعضلة، وإن اتخذت فيها الظاهرة أشكالًا خاصة. ففي البيئات التي تتراجع فيها عادة القراءة والكتابة لدى قطاعات واسعة من المستخدمين، قد يطغى الاستهلاك السريع للصور ومقاطع الفيديو على أشكال المشاركة المعرفية والثقافية. وتجد بعض المنصات في تداول المحتويات الهابطة أو الفاضحة، وفي استثارة الغرائز وإشعال الخصومات، وسائل سهلة لاستقطاب الانتباه وحصد المشاهدات. وهكذا، لا تقتصر المشكلة على ما تفعله الشاشات بأوقات أبنائنا، بل تمتد إلى ما تفعله بأذواقهم، وبقدرتهم على التمييز بين المعرفة والتفاهة، وبين الحرية والاستباحة، وبين التواصل الحقيقي والاستهلاك السلبي.

 

لقد بدأت دول عدة تدرك أن ترك الأطفال وحدهم في مواجهة هذه المنظومة لم يعد مقبولًا. وكانت أستراليا من أبرز الدول التي اتجهت إلى تدخل تشريعي حاسم، إذ دخلت، في العاشر من ديسمبر 2025، قيود تمنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات في منصات التواصل الاجتماعي المشمولة بالقانون، مع إلزام الشركات باتخاذ خطوات معقولة للتحقق من الأعمار وتطبيق القيود. ولم يكن المقصود حظر التكنولوجيا أو عزل الصغار عن المعرفة، بل تأخير تعرضهم لمنصات تنطوي تصاميمها على مخاطر، ومنحهم فرصة أطول للنمو واكتساب المهارات الاجتماعية والعاطفية اللازمة للتعامل مع العالم الرقمي. وتبحث دول أخرى في اتخاذ تدابير متفاوتة للحد من وصول القاصرين إلى هذه المنصات، أو تتخذها بالفعل.

 

إن هذه التجارب تستحق أن تكون موضع اهتمام جاد في بلداننا العربية، بدل الاكتفاء بالتحذيرات الموسمية والمواعظ الأسرية التي سرعان ما تتبدد أمام إغراء الشاشة. نحن بحاجة إلى تشريعات واضحة تحدد السن المناسبة لإنشاء حسابات التواصل الاجتماعي، وتلزم الشركات بتحمل مسؤولياتها، وتفرض آليات فعالة للتحقق من الأعمار وحماية القاصرين.

 

ولعل الخطوة الأهم تبدأ من الأسرة نفسها: ألا يكون الهاتف هدية مبكرة نمنحها للطفل كي ينشغل عنا، ولا وسيلة لإسكاته كلما ضاق صدرنا بأسئلته وحركته. ومن الأفضل تأخير امتلاك الطفل هاتفًا ذكيًا شخصيًا إلى أقصى حد ممكن، وعدم منحه حسابات التواصل الاجتماعي قبل بلوغه السن التي يحددها القانون. فالتكنولوجيا ليست عدوًا في ذاتها، والعودة إلى الوراء ليست حلًا، لكن التقدم الذي لا يحمي الإنسان قد يتحول إلى عبء عليه. وليس من الحكمة أن نترك أبناءنا أسرى خوارزميات لا تعرف الطفولة إلا بوصفها فرصة أخرى لزيادة المشاهدات والأرباح. إن حق الطفل في المعرفة لا ينفصل عن حقه في الأمان، وحقه في التواصل لا ينبغي أن يكون على حساب صحته النفسية ونموه الإنساني.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى