خنفر.. حين تنزل السلطة إلى شباك المواطن

 

 

كتب ـ عوض آدم

هناك مسؤول يدير مديريته من خلف المكتب، ينتظر التقارير ليرفعها، وهناك مسؤول يدرك أن الدولة لا تُبنى بالمراسلات، بل تُبنى من شباك الخدمة. وما قام به مدير عام مديرية خنفر المحامي مازن بالليل اليوسفي، ومعه مدير أمن المديرية العقيد حسين المسعودي، خلال تفقدهما إدارة الأحوال المدنية والسجل المدني، ولقائهما مديرها العقيد صالح عبدالدايم، هو من النوع الثاني تماماً.

قد تبدو زيارة لتفقد إصدار البطاقة الذكية أمراً روتينياً، لكن من يقرأ المشهد في خنفر بعين مؤسسية يدرك أننا أمام تحول حقيقي في فلسفة الحكم المحلي. فالبطاقة الذكية ليست مجرد وثيقة بلاستيكية كما يظن البعض، بل هي عقد المواطنة الأول بين الفرد والدولة، وإثبات وجوده وحقه في الخدمة والأمن. المواطن الذي يحصل على بطاقته بكرامة وسرعة وانتظام هو مواطن يؤمن بمؤسسات الدولة، والذي يُهان في الطوابير وتتعثر معاملته هو مواطن يُدفع دفعاً للكفر بها. وهنا يتجلى الفهم القانوني العميق لمحامٍ يقود السلطة المحلية، فهو لا يدير معاملات فحسب، بل يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والإدارة.

واللافت أكثر في هذه الخطوة هو ذلك التكامل النموذجي الذي جسده حضور مدير عام المديرية ومدير أمنها معاً في مرفق خدمي مدني بامتياز، هو إدارة الأحوال المدنية والسجل المدني بخنفر التي تمثل بوابة الهوية للمواطن، وتمثل يومياً خلية عمل لا تهدأ في خدمة آلاف الأسر لاستخراج وثائقهم وتنظيم سجلهم المدني. فهذه ليست صدفة بروتوكولية. وجود العقيد المسعودي إلى جانب المحامي اليوسفي، ووقوفهما على الجهود التي يبذلها مدير الفرع العقيد صالح عبدالدايم وطاقمه في تسيير العمل رغم ضغط الإقبال، يحمل رسالة مزدوجة؛ رسالة للمواطن بأن أمنه مرتبط بخدمته، فلا أمن بلا وثيقة تحمي هويته، ولا وثيقة بلا أمن يحمي بياناته من الفوضى والتزوير، ورسالة للمؤسسة نفسها بأن الأحوال المدنية هي العمود الفقري للعمل المؤسسي المنظم.

ما يميز إدارة اليوسفي لخنفر أنه كسر احتكار المكتب. نزل بنفسه، واستمع مباشرة لشرح الصعوبات من إدارة الأحوال ومن المواطنين، وناقش سبل تذليلها وتسريع الإنجاز والحد من الازدحام. وهذا هو الفارق بين منطقين للإدارة؛ منطق يقول “أبلغوني بما حدث”، ومنطق يقول “دعوني أرى ما يحدث”. الأول يبحث عن تبرير، والثاني يبحث عن حل. وحين تؤكد السلطة المحلية أن متابعة المرافق الخدمية وتيسير الإجراءات بكفاءة وانتظام هو جوهر عملها، فإنها تضع معياراً جديداً للحكم في أبين، معياراً لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بعدد المعاملات المنجزة في اليوم.

ختاماً، لم تكن زيارة الأحوال المدنية مجرد تفقد عابر، بل كانت تأكيداً على أن جوهر السلطة المحلية في خنفر هو خدمة المواطن. فالدولة القوية هي التي تكون حاضرة في تفاصيل الناس اليومية، تسهّل وثيقتهم، وتحفظ كرامتهم، وتنجز معاملتهم بانتظام. ومن شباك صغير في إدارة الأحوال، استطاع المحامي مازن اليوسفي أن يقدم الدرس الأكبر: أن هيبة المؤسسة تُبنى حين يشعر المواطن أن هناك من يهتم لأمره.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى