درس الكلاسيكو

درس الكلاسيك

كتب أ.د مهدي دبان

كلاسيكو برشلونة وريال مدريد مباراة لا تنتهي بصافرة الحكم، هي حكاية كروية تعطي دروس في فنون كرة القدم الحديثة ..حيث جمعت بين سحر الاستحواذ، وبين القدرة على اقتناص اللحظة الحاسمة …دخل برشلونة المباراة بفلسفة هانسي فليك، معتمدا على التمريرات المتتالية والضغط المتقدم ومحاصرة المنافس في نصف ملعبه، فامتلك الكرة وقتا أطول، لكنه لم يستطع تحويل هذا التفوق إلى أهداف بقدر ما أراد، في المقابل، قرأ جوزيه مورينيو المباراة بعين الخبير، فأغلق المساحات، ونظم صفوف فريقه، وانتظر اللحظة التي يتقدم فيها برشلونة ليضربه في المساحات التي يتركها خلفه وهنا ظهرت قيمة كرة القدم التي لا تهتم بعدد التمريرات إنما بحسن اختيار التوقيت والمكان … كان مبابي حاضرا ليترجم العمل الجماعي إلى أهداف، فيما تكفلت التحولات السريعة والتمريرات الدقيقة بمنح ريال مدريد الأفضلية، لم يحتج الملكي إلى امتلاك الكرة طوال الوقت؛ فقد عرف متى يدافع، ومتى يندفع، ومتى يوجه ضربته، وهكذا تحولت المساحات التي أراد برشلونة استخدامها لبناء هجماته إلى منافذ نفذ منها ريال مدريد نحو مرماه، ليخرج فائزا بهدفين مقابل هدف، في مباراة أثبتت أن الذكاء التكتيكي قد يتقدم أحيانا على جمال الاستحواذ …

أما برشلونة، فقد دفع ثمن بعض الأخطاء التي ترافق أسلوبه الجريء؛ فالدفاع المتقدم سلاح ذو حدين، يمنح الفريق القدرة على الضغط واستعادة الكرة، لكنه يصبح خطرا حين لا يجد من يحمي المساحات خلفه، كما أن امتلاك الكرة لا يعني بالضرورة امتلاك المباراة، إذا غابت الفاعلية أمام المرمى، ولم تتحول التمريرات إلى فرص حقيقية …ومع ذلك، لا يمكن اعتبار خسارة مباراة واحدة حكما على مشروع فليك، كما لا ينبغي اعتبار أسلوب مورينيو وصفة ناجحة في كل الظروف؛ فلكل فلسفة نقاط قوة تحتاج إلى إدارة ذكية، ونقاط ضعف تحتاج إلى معالجة…
لقد كان ريال مدريد أكثر قدرة على استثمار اللحظات الحاسمة، بينما احتاج برشلونة إلى حلول هجومية أكثر تنوعا وتوازنا دفاعيا أكبر …وفي النهاية، لم ينتصر ريال مدريد لأنه امتلك الكرة أكثر، بل لأنه عرف كيف يستفيد منها حين امتلكها، وكيف يتعامل مع خصمه حين فقدها… ذلك هو درس الكلاسيكو: كرة القدم ليست لمن يركض أكثر خلف الكرة، ولا لمن يحتفظ بها أطول وقت، بل لمن يعرف ماذا يفعل بها، ومتى يفعل، وكيف يحول لحظات بسيطة إلى انتصار رائع. ..

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى