تقرير: السعوديون يلعبون بالنار

أبين ميديا/متابعات/لسيث ماندل في مجلة كومنتاري
شكّلت جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي الوحشية عام 2018 نكسة دبلوماسية للرياض، وأمضت العائلة المالكة الجزء الأكبر من العقد الماضي في محاولة احتواء تداعياتها وتنظيف صورتها.
ساعد دونالد ترامب في مسار إعادة تأهيل السعودية، إذ بدا أن إدارته تتصرف أحيانًا وكأنها فريق علاقات عامة لإدارة الأزمات لصالح الرياض، لذلك يحيّرني سبب اختيار ولي العهد محمد بن سلمان خوض معاركه في الشرق الأوسط على نحو يعظّم الاستفزاز لإدارة ترامب، ويهدد بذلك أعزّ إرث في سياسة الرئيس ترمب الخارجية.
وهنا، يطرح سؤالان منفصلان بالمناسبة: “لماذا يختار السعوديون التصعيد مع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة؟” و “لماذا يقوّض السعوديون الولايات المتحدة تحديدًا؟”، ولا يبدو أيٌّ منهما فكرة صائبة.
هذا العناد الحالي لم يؤدِّ إلى إعدام حكومي مروّع، إلا انه يذكّر بجريمة خاشقجي من حيث إنه يوحي بأن المشكلة الأكبر لدى ابن سلمان ليست أنه يستخدم “سياسة الحافة”، بل أنه يلعبها بشكل سيئ.
بعبارة أخرى: بدأ غرور ولي العهد يبدو، أكثر من مرة، عبئًا لا ميزة.
تفيد بلومبيرغ اليوم بأن السعوديين يعمّقون خلافهم مع الإمارات بطريقة بدأت تثير قلق عالم الأعمال، فما بدأ كخلاف بشأن المشاركة العسكرية الإماراتية في اليمن تصاعد على ما يبدو منذ تعهّد أبوظبي بسحب قواتها من المنطقة القريبة من الحدود السعودية.
وجاء في تقرير بلومبيرغ: “قال أشخاص مطّلعون إن بعض الشركات التي تتخذ من الإمارات مقرًا لها أبلغت عن مشكلات في الحصول على تأشيرات عمل سعودية، وليس واضحًا مدى انتشار هذه المشكلة أو ما إذا كانت تمثّل تغييرًا في سياسة الحكومة السعودية، التي تضغط منذ سنوات على الشركات لنقل مقارّها الإقليمية إلى المملكة، وأضافوا أن مورّدًا واحدًا على الأقل مقره الإمارات يزوّد السعودية يدرس البدء في بناء مخزون احتياطي كوسادة أمان، فيما تقيّم بعض الصناديق والشركات خططًا لفتح مكاتب في المملكة لتحصين نفسها في حال فُرضت قيود على الأنشطة العابرة للحدود”.
ويضيف التقرير أن المؤسسات المالية الإماراتية لا تزال تشتري السندات السعودية، وأن أحدًا لم يصل بعد إلى حالة هلع. لكن تقلّبات الرياض لم تمرّ من دون ملاحظة.
واليوم، أبلغ ابن سلمان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه لن يسمح للولايات المتحدة باستخدام الأجواء السعودية لمهاجمة الجمهورية الإسلامية إذا قرر ترامب إصدار أوامر بضربات انتقامًا لقمع طهران الدموي للمعارضة، الذي أودى بالفعل بحياة آلاف المدنيين.
قد يكون ذلك مناورة، لكنها مناورة فجة إن كانت كذلك، فبحلول الآن تحوّلت مواجهة ترامب–بزشكيان إلى مسألة شخصية بالنسبة للرئيس، وتبدو مصداقية ترامب على المحك، فيما يستخفّ ابن سلمان بتهديداته، كما سرّبت السعودية بالفعل معارضتها لأي ضربة، لذا فإن أي مظهر للاصطفاف مع إيران يصبح مجانيًا ويقوّض محاولات عزل طهران، وهو ما قد يكلّف مزيدًا من المتظاهرين الإيرانيين الأبرياء حياتهم.
وأصدر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام صباح اليوم توبيخًا علنيًا للرياض، قال فيه:
“إلى المملكة العربية السعودية: حاولتُ بجدّ العمل على رسم مسار جديد للعلاقات بين بلدكم والولايات المتحدة والمنطقة، ولديّ احترام كبير لكثير من التغييرات التي جرى تبنّيها، لكن هجوم المملكة على دولة الإمارات العربية المتحدة، وصمتها إزاء الاعتداءات المستمرة التي يشنّها النظام السوري على الأكراد، يجب أن يتغيرا. أرجو أن تدركوا أنني ذكي بما يكفي لأعلم أن للسعودية نفوذًا على الحكومة السورية، وأتوقع منها استخدامه لمنع انزلاق المنطقة أكثر نحو الفوضى”.
وجزء من أسباب الإحباط من ابن سلمان أن السعوديين لا يكتفون بالتراجع عن “اتفاقات أبراهام” أنفسهم؛ بل يبدون وكأنهم يسعون إلى قتل أي زخم يهدف إلى توسيعها لتشمل دولًا أخرى.
وكتب أميت سيغال الأسبوع الماضي: “لقد استُبدل القرار الاستراتيجي بالسعي إلى المصالحة مع إسرائيل بحملة تحريض جامحة، يُشكّك في عمقها وحجم الضرر الذي تُلحقه من حيث الوعي”، مضيفًا أن “قناة العربية كانت أسوأ من الجزيرة في المواد التي تبثها ضد أي تطبيع مع إسرائيل”.
وكان سيغال قد أشار، وبإقناع، إلى أنه مع تعرّض البرنامج النووي الإيراني لانتكاسات كبيرة بالفعل، تستطيع الرياض تحمّل قدر من التباعد مع الغرب، لكن على السعوديين أن يكونوا حذرين: فتقويض اتفاقات أبراهام يقوّض أيضًا تسوية ما بعد حرب غزة عبر تعزيز حكومات إسلامية مثل تركيا وقطر.
الوقوف على الحياد شيء، لكن ابن سلمان بدأ يتعامل مع الولايات المتحدة كخصم، ولن يتردد فريق من الحزبين في الكونغرس في ردّ الصاع صاعين.
+ سيث ماندل هو محرر أول في مجلة كومنتاري ونشر المقال تحت عنوان “السعودية تلعب بالنار”.







