مدرسة الجلاء (ظلمان) بيافع رصد.. مذكرة في مسيرة التعليم حين كانت المدرسة بيتاً، والمعلم أباً، والنجاح قضية

بقلم الاستاذ/ طاهر حنش أحمد
بعد 47 عاماً.. ما زالت الذكريات معلّقة في جدار الذاكرة ٠ تمر السنوات، وتتغير الوجوه والأمكنة، وتتبدل الوسائل والمناهج، لكن بعض التجارب لا يغطيها غبار الزمن؛ لأنها لم تكن مجرد وظيفة أداها الإنسان، وإنما كانت رسالة عاشها بكل جوارحه. وبعد مرور ذلك الزمن على تعييني مديراً لمدرسة (الجلاء ظلمان) التي كان اسمها قد تغيّر في ذلك العام إلى مدرسة الشهيد علي حسين صالح، أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، لا لأستعيد أحداثاً مضت فحسب، وإنما لأوثّق مرحلة تربوية كان فيها التعليم امتحاناً للإرادة، وكانت المدرسة مشروعاً لبناء الإنسان قبل أن تكون جدراناً وفصولاً ومقاعد. كنت يومها شاباً في مقتبل العمر، تسلمت إدارة مبنى متواضع من الحجر، شبه جاهز للاستخدام، يتكون من خمسة فصول، كان أحدها مكشوف السطح، يتعرض طلابه للشمس والرياح وتقلبات الطقس. مفترشين الطلاب الأرض، باستثناء الصف الثامن، وكانت هناك غرفتان معزولتان عن مبنى المدرسة، أُعدّتا في الأصل مقراً لمنظمة لجان الدفاع الشعبي، ثم استُخدمتا سكناً للمعلمين، إضافة إلى مكان آخر زنج يُستخدم فصلاً دراسياً.
لم تكن الإمكانات تسمح بالكثير، لكننا كنا نؤمن أن عظمة التربية لا تبدأ من فخامة المبنى، وإنما تبدأ من عظمة الإنسان الذي يحمل رسالتها.
مدرسة صغيرة… وطموح أكبر من الجدران
استلمت المدرسة وفيها 207 طالباً و62 طالبة موزعين على ثمان شعب دراسية من الصف الأول حتى الصف الثامن في نظام التعليم الموحد، وكانت إحدى الشعب في جبل الموصف. كما أن المدرسة قد انتقلت إلى مبناها الجديد قبل عامين من استلامي إدارتها، بعد أن كان موقعها الرسمي في منتصف جبل الموصف، بعد تأسيسها في العام الدراسي 1972/1971م كان المبنى متواضعاً في نظر الآخرين، لكنه كان في عيني قصراً من نور. فالمؤسسة التعليمية لا تُقاس بعدد غرفها، ولا باتساع ساحاتها، ولا بحداثة أثاثها، وإنما بما تزرعه في عقول أبنائها، وما تتركه في وجدانهم، وما تصنعه من مستقبلهم. ومن هنا بدأنا.
شدَدنا الهمم، ووحّدنا الجهود،
وأعلنٌا قيمة الانتماء للمهنة، وتحولنا إلى فريق تربوي واحد، كان هدفه الأول والأخير: الطالب والدرس والنجاح.
لم تكن الإدارة منصباً… بل كانت رسالة ولم تكن
إدارة المدرسة بالنسبة لي مكتباً وكرسياً وتوقيعاً على الأوراق.
بل كانت مسؤولية. وأمانة ، ورسالة
كنت أؤمن أن مدير المدرسة الحقيقي لا يقف بعيداً عن المعلم والطالب، بل يقف في مقدمة الصف، ويتحمل معهما المشقة، ويشاركهما التحديات، ويبحث عن الحلول عندما تنعدم الإمكانات. ولهذا عملنا بروح الفريق الواحد، وكان المعلم في تلك المرحلة أكثر من معلّم؛ كان أباً وأخاً وصديقاً ومربياً وقدوة. كان المعلم يشعل فانوسه، ويوقد الحطب لإعداد وجباته، ويمشي المسافات الطويلة على قدميه، ويتابع غياب الطلاب، ويتواصل مع أولياء الأمور، ويقنع الأسرة بأهمية استمرار أبنائها في التعليم. لم يكن ينتظر بيئة مثالية حتى يؤدي واجبه، بل كان يصنع من الظروف الصعبة بيئة ممكنة للتعلم.
طلاب الصف الثامن (جهابذة العلم)
وكان من أبرز ما يميز المدرسة أولئك الطلاب الذين أطلقنا عليهم، بحق، جهابذة المدرسة؛ طلاب الصف الثامن.
كانوا يتمتعون بذكاء واستيعاب لافتين، حتى إن المعلم كان يتعامل معهم بحذر علمي؛ لأن بعضهم كان يستوعب الفكرة قبل اكتمال شرحها.
ولم يكن ذلك نتاج الصدفة. فوراء كل طالب متفوق معلم سهر، ومدرسة احتضنت، وأسرة شجعت، وإدارة آمنت، وإرادة لم تستسلم.
وقد ظهر أثر ذلك بصورة واضحة عندما جلس هولاء الطلاب للامتحانات الوزارية لأول مرة بعد استكمال بناء المدرسة الموحدة ذات الصفوف الثمانية. وكانت النتائج شاهدة على ما بذلناه.
فقد حققت مدرسة ظلمان نتائج متميزة، وحازت مراتب متقدمة بين مدارس المركز،.
لم تكن تلك النتيجة ضربة حظ. بل كانت ثمرة للعمل المتواصل، والانضباط، وحفظ المنهج، والمتابعة اليومية، والتفاني في أداء الرسالة التعليمية.
وأصبحت مدرسة الجلاء حديثاً تربوياً يتجاوز حدود مبناها وموقعها.
وهولاء هم:-
1) خالد عبدالرب بدر
2) خضر قاسم جبران
3) فضل هيثم عبدالرحمن
4) مجيد محسن علي
5) عبدالله عوض ناصر
6) صالح علوي محمد
7) حسين عاطف عوض
8) خضر احمد ناصر
9) محمد عبدالرب بدر
10) مجيد احمد محمد
11) محمد احمد علي
12) فضل عبدالله محمد
13) عبدالله عبادي عبدالرحيم
14) عبدالله عبدربه احمد
15) عبدالباسط صالح علي
وتغيب عن الامتحان
1) ثابت احمد ثابت
2) عبد محمد شائف
3) عبد محمد عوض
4) علي صالح عوض
5) فضل سعيد عبداحمد
عندما يصبح المدير معلماً وطالباً
وفي العام الدراسي 1981/1980م كان التحدي أكبر.
كنت مديراً للمدرسة، وفي الوقت نفسه معلماً لمادتي التخصص العلوم واللغة الإنجليزية لسد العجز في الكادر التعليمي. لكن القصة لم تتوقف هنا. لقد كنت أيضاً طالباً!
تقدمت للانتساب لإكمال دراستي الثانوية، فكنت في النهار مديراً ومعلماً أشرح الدروس لأبنائي الطلاب، وأتابع شؤون المدرسة، وأتحمل مسؤوليات الإدارة والتعليم. وفي الليل كنت طالباً أجلس للمذاكرة على ضوء التريك ، أواصل دراستي لأكمل الصف الثاني الثانوي وأنهي المرحلة الثانوية في العام نفسه. كنت أعيش في يوم واحد ثلاث صور للإنسان:
مديراً يحمل المسؤولية
ومعلماً يحمل الرسالة
وطالباً يحمل الطموح.
لم يكن ذلك سهلاً لكنه كان درساً عملياً أردت أن أقدمه لطلابي قبل أن يكون درساً في الكتب.
كنت أريد أن أقول لهم بالفعل قبل القول:
إذا أردت أن تتعلم، فلا تجعل الظروف عذراً.
وهكذا تحقق النجاح، وحصلت على شهادة الثانوية العامة بمعدل 76% في القسم الأدبي مع زملائي المعلمين: صالح بن صالح، ومحمد حسن التيمي، ومحمد حيدرة سالم، وزيد ناجي بن عسل – رحمه الله – وعبدالحميد عثمان.
وكان ذلك النجاح بالنسبة لي أكثر من شهادة.
كان إثباتاً عملياً بأن المعلم الذي يدعو طلابه إلى التعلم يجب أن يكون أول من يطبق ما يدعو إليه.
المعلم القدوة… أعظم درس في التربية
إن التربية الحقيقية لا تُبنى بالكلمات وحدها.
فالطالب لا يتعلم مما يقوله المعلم فقط، وإنما يتعلم مما يراه في سلوكه، وانضباطه، وصبره، وإخلاصه. ولهذا بقي في ذاكرتي أولئك المعلمون الذين شاركوني تلك المرحلة، فهم بكل حق وحقيقة جنود الميدان وصناع المعجزة ومنهم:
صالح بن صالح عبد/عبدالمولى عبد حسين/أحمد علي أحمد/أحمد محسن أحمد/محمد أحمد سعيد/فضل محمد علي/يسلم أحمد عبدالله/سليمان بكر مبارك/عبدالرحمن صالح عبدالله/احمد عبدالله احمد، وغيرهم ممن كان لهم شرف حمل الرسالة في تلك المرحلة. لقد كانوا جزءاً من قصة مدرسة لم تكن إمكاناتها كبيرة، لكنها كانت كبيرة برجالها.
الى أبناء الجلاء – ظلمان
يا من جلستم على مقاعد الدراسة قبل سبعة وأربعين عاماً
يا من كنتم تحملون دفاتركم البسيطة، وتقطعون المسافات من أجل الوصول إلى المدرسة
يا من كبرتم اليوم وأصبح منكم الطبيب، والمهندس، والمعلم، والمغترب، والعامل، ورب الأسرة…
اعلموا أنكم لم تغادروا ذاكرتي يوماً.
ما زالت صوركم وأنتم صغار، بثيابكم البسيطة ودفاتركم المتواضعة، حاضرة في أعماق الذاكرة.قد تتغير ملامح الإنسان مع الزمن، وقد تتباعد الطرق، وقد تفرقنا الحياة في بلدان ومهن وأماكن مختلفة، لكن ذاكرة المعلم لا تنسى أبناءه الذين شاركوه بداياتهم الأولى.
فالطلاب ليسوا أرقاماً في سجلات المدرسة.
هم مشاريع مستقبل.
وكل معلم يضع أمامه طالباً صغيراً، إنما يضع أمامه في الحقيقة إنساناً قد يصبح بعد سنوات طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو قائداً أو أباً يبني أسرة ومجتمعاً.
وهذه هي عظمة المهنة.
الدرس الذي بقي بعد 47 عاماً
بعد كل هذه السنوات، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن المدرسة ليست جدراناً.
المدرسة فكرة.
والمعلم رسالة.
والطالب أمانة.
والإدارة مسؤولية.
والنجاح الحقيقي ليس أن تحصل المدرسة على نتيجة مرتفعة في امتحان فحسب، وإنما أن يخرج منها إنسان يعرف قيمة العلم، ويحترم العمل، ويتحمل المسؤولية، ويؤمن بأن المستحيل كلمة يمكن للإرادة أن تهزمها.
لقد كانت مدرسة الجلاء
ظلمان بالنسبة لنا أكثر من مكان للعمل.
كانت مدرسة للحياة.
تعلمنا فيها أن قلة الإمكانات لا تعني قلة الطموح، وأن الفقر في الوسائل يمكن أن يعوضه الغنى في الإرادة، وأن المعلم إذا امتلك الإخلاص استطاع أن يصنع فرقاً يتجاوز حدود الفصل والكتاب والسبورة.
الخـــــــــــــــاتــــــــمـــــــة
لقد أدركت تماماً ان الدرس الذي يبقى بعد كل السنوات التي مضت أن
المدرسة فكره والمعلم رسالة والطالب أمانة والأدارة مسؤولية.
كانت أياماً لم تكن فيها الإدارة امتيازاً، ولا التعليم مجرد وظيفة، ولا المعلم موظفاً ينتظر نهاية الدوام.
كانت المدرسة بيتاً. والمعلم أباً.
والطالب أمانة. والنجاح قضية.
ولهذا، فإنني حين أكتب اليوم عن هذه المدرسة، فإنني لا أكتب عن مبنى من حجر مضى عليه الزمن، وإنما أكتب عن مرحلة تربوية صنعت رجالاً، وعن معلمين حملوا الرسالة في ظروف صعبة، وعن طلاب أثبتوا أن الطموح لا يحتاج إلى رفاهية، وإنما يحتاج إلى إرادة.
فسلامٌ على ذلك الزمن الجميل…
فمهما طال الزمن، تبقى بعض المدارس في الذاكرة…
لا لأنها كانت أجمل المدارس،
بل لأنها كانت المدرسة التي أعطيناها من أعمارنا… فأعطتنا من الذكريات ما لا يشيخ







