كولومبوس: يوم قيل أنه اكتشف العالم .. والعالم مكتشفا قبله بآلاف السنين

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي

في فجر الثاني عشر من أكتوبر عام 1492م وبعد اثنين وسبعين يوما في بحر الظلمات كان كريستوفر كولومبوس البحار الجنوي الذي يخدم ملك إسبانيا نائما في سفينته سانتا ماريا .. وكان معه تسعون رجلا في ثلاث سفن .. وفجأة في الساعة الثانية بعد منتصف الليل صرخ البحار رودريغو دي تريانا من فوق سارية سفينة البينتا أرض أرض .. وكانت الأرض جزيرة صغيرة اسمها سكانها غواناهاني وسماها كولومبوس سان سلفادور وهي اليوم في جزر الباهاما .. فظن كولومبوس أنه وصل إلى الهند .. فسمى السكان هنودا .. ولم يعلم أنه اكتشف قارة جديدة اسمها أمريكا.

 

هذا هو ما حفظناه في كتب المدرسة .. وهذه هي السردية الرسمية العالمية .. أن اكتشاف أمريكا تم على يد كريستوفر كولومبوس عام 1492م .. وأن رحلته هي أول اتصال أوروبي موثق ومعروف عالميا بالعالم الجديد .. وهي بداية الربط الدائم بين أوروبا والأمريكتين وبداية عصر الاستعمار.

 

لكن هل هذه هي الحقيقة كاملة .. أم أن هناك حكايات أخرى كانت تبحر في المحيط قبل كولومبوس بمئات السنين.

 

تعالوا نفتح هذا الملف الشائك من أوله إلى آخره كما يفعل المؤرخون .. سردية رسمية .. وفرضيات أخرى .. وحقيقة ثابتة لا جدال فيها.

 

أولا .. السردية الرسمية .. لماذا ننسب الاكتشاف لكولومبوس

 

العالم يعتمد على الوثيقة .. وكولومبوس ترك وثائق .. يومياته .. ورسالته إلى الملكة إيزابيلا .. ومرسوم سانتا في الذي وقعته الملكة معه في 17 أبريل 1492م .. وخرائط رحلاته الأربع .. وكلها محفوظة في الأرشيف العام للهند في إشبيلية .. ولذلك تعتبر رحلته هي البداية الحقيقية للاستعمار والربط الدائم .. فبعد كولومبوس لم ينقطع الاتصال بين القارتين أبدا .. أما من جاء قبله فقد جاء ثم ذهب ولم يترك اتصالا دائما.

 

ولذلك في الثاني عشر من أكتوبر يحتفل العالم بيوم كولومبوس .. Columbus Day .. ففي إسبانيا يسمى عيد الهيسبانيداد وهو العيد الوطني .. وفي أمريكا عطلة فيدرالية في ثاني اثنين من أكتوبر .. وهذا العام 2026م يوافق يوم الاثنين 12 أكتوبر .. وفي بليز يوم الأمريكيتين .. وفي الأرجنتين يوم احترام التنوع الثقافي .. وفي فنزويلا يوم المقاومة الأصلية .. والفكرة أن هذا اليوم لا يجب أن يكون احتفالا برجل جاء مستعمرا بل تكريما للهنود الحمر الذين قتل منهم الملايين بعد وصول كولومبوس .. ولذلك كثير من الولايات الأمريكية أصبحت تحتفل بدلا من كولومبوس بيوم الشعوب الأصلية .. Indigenous Peoples Day .. وبدأ هذا التحول في مدينة بيركلي كاليفورنيا عام 1992 وأصبح معترفا به بمرسوم رئاسي من الرئيس بايدن عام 2021م.

 

لكن ماذا عن الذين جاءوا قبل كولومبوس

 

ثانيا .. الفايكنج .. الحقيقة المنسية التي اعترف بها العالم

 

قبل كولومبوس بخمسمائة عام تقريبا وصل الفايكنج إلى أمريكا .. ففي عام 1000 ميلادية تقريبا أبحر الزعيم الفايكنج ليف إريكسون من جرينلاند ووصل إلى أرض سماها فينلاند أي أرض الكروم .. وهي اليوم سواحل نيوفاوندلاند في كندا .. وبنى فيها قرية اسمها لانس أو ميدوز .. وقد وجد علماء الآثار بيوتها ومسامير سفنها عام 1960م .. وأصبحت اليوم موقعا للتراث العالمي .. لكن الفايكنج لم يبقوا .. حاربهم الهنود الحمر وطردوهم .. فعادوا إلى جرينلاند .. ولذلك لم يتركوا أثرا دائما .. لكنهم موثقون رسميا اليوم كأول أوروبيين وصلوا إلى أمريكا قبل كولومبوس.

 

ثالثا .. فرضية وصول المسلمين .. الملف الذي فتحه المؤرخون المسلمون

 

هنا ندخل إلى المنطقة الأكثر جدلا .. هل وصل المسلمون إلى أمريكا قبل كولومبوس .. هناك باحثون يقولون نعم .. وهناك من يقول إنها روايات غير موثقة رسميا في التاريخ العالمي العام .. لكنها تظل روايات تاريخية قوية تستحق أن تروى.

 

البداية مع رحالة مسلم اسمه “خشخاش بن سعيد بن أسود” .. كان بحارا من قرطبة في الأندلس في القرن التاسع الميلادي .. أي قبل كولومبوس بستمائة عام .. ويذكر المؤرخ المسلم المسعودي في كتابه مروج الذهب الذي نشره سنة 956 م أن خشخاش أبحر في المحيط الأطلسي واكتشف أرضا وراءه ثم عاد .. وقال المسعودي كل إسباني يعرف قصته.

 

ثم يأتي ابن القوطية المؤرخ الأندلسي من قرطبة فيروي قصة ابن فاروق الذي أبحر غربا إلى جزيرتي إسبانيولا وكوبا.

 

ثم يأتي الجغرافي الكبير الإدريسي في القرن الثاني عشر في كتابه نزهة المشتاق فيذكر قصة ثمانية بحارة مغاربة يسمون المغرورين أبحروا من لشبونة في البرتغال في المحيط الأطلسي ووصلوا إلى جزر مأهولة وتحدثوا باللغة العربية مع أهلها .. وذكر ذلك في كتابه الثاني رحلات الممالك أنهم أبحروا أحد عشر يوما حتى اضطرب هيكل سفينتهم من العواصف واضطروا للتوقف في جزيرة مأهولة.

 

ثم تأتي القصة الأقوى .. قصة أبو بكر الثاني .. أو أبو بكاري .. حاكم إمبراطورية مالي المسلمة .. فالجغرافي شهاب الدين العمري الذي عاش بين القرن الثالث عشر والرابع عشر يذكر في كتابه المسالك الأبصار في ممالك الأمصار محادثة دارت في القاهرة عام 1324 بين ابن عامر الحجاب حاكم القاهرة ومنسا موسى حاكم مالي وهو في طريقه إلى الحج .. سأله ابن عامر كيف أصبحت ملكا .. فقال منسا موسى إن أخي وسلفي أبو بكاري أمر بتجهيز مائتي سفينة مجهزة بالرجال والذهب والمياه والإمدادات وأمرها أن تبحر في المحيط الأطلسي ولا تعود حتى تصل إلى آخره .. فذهبت ولم تعد إلا سفينة واحدة قالت إن باقي السفن دخلت نهرا عظيما في وسط البحر واختفت .. فجهز أبو بكاري ألف سفينة وذهب بنفسه ولم يعد أبدا .. فأصبح منسا موسى ملكا بعده .. ويقال إن النهر العظيم هو نهر الأمازون.

 

ثم تأتي شهادة كولومبوس نفسه .. ففي رحلته الثانية أخبره السكان الأصليون أن رجالا سودا سبقوه إلى الجزيرة وتركوا رماحا صنعت أطرافها من معدن أصفر يسمونه غوانين .. وهي كلمة محرفة من غانين تخص شعب الماندينكا الأفريقي المسلم وتعني سبائك الذهب .. ولاحظ طاقم كولومبوس أن السكان يرتدون ملابس ملونة تسمى الميازر وهي كلمة عربية المئزر أو الإزار تستخدم لوصف ملابس مسلمي غرب أفريقيا.

 

ثم يأتي دور البحارة المسلمين مع كولومبوس نفسه .. فتذكر الروايات أن شريك كولومبوس في ملكية سفينتي نينا وبينتا كان ملاحا مسلما ينحدر من سلالة بني مرين الذين حكموا المغرب بين 1244 و1465 يدعى مارتن بينزون وشقيقه فيسنتي .. وبحار مسلم آخر يدعى بيدرو ألونسو .. واستعان كولومبوس بلويس دي توريس وهو يهودي يجيد العربية اصطحبه ليترجم له مع سكان الهند المسلمين الذين كان يظن أنه سيقابلهم.

 

ثم بعد كولومبوس .. ففي عام 1527 أبحر مسلم أسود من الرقيق اسمه استيفانيكو دي أزامور من ساحل باراميدا سانلوكا في إسبانيا مع سيده أندريس دورانتيز .. وساعد القائد الإسباني بانفيلو دي نارفاييث في حملة القرن السادس عشر لمناطق أصبحت تعرف فيما بعد بالمناطق الجنوبية والغربية من الولايات المتحدة .. وفي عام 1528 وصل إلى بحيرة تامبا بولاية فلوريدا بينما عبرت الحملة تكساس والجنوب الغربي .. واكتسب شهرة كمعالج روحاني بين السكان الأصليين وتوفي في نيومكسيكو 1539م.

 

وهناك أدلة أثرية يذكرها الباحثون .. فالباحث سايروس جوردون في كتابه قبل كولومبوس يذكر عملات عربية من القرن الثامن الميلادي وجدت في أمريكا .. والباحث باري فيل يذكر مخطوطات قديمة بالخط الكوفي في الأمريكيتين قادمة من شمال أفريقيا .. والباحث وينترز يذكر نقوشا ورموزا لشعب الماندينكا في منطقة باهيا وميناس جيرايس بالبرازيل وعلى ساحل يلو في البيرو خلال القرن الرابع عشر .. ونقوشا على طول نهر الميسيسيبي في أريزونا وفي كهف فور كورنرز فكت شفرتها على أنها فرع من لغة مالينكي بامبارا التي يتحدث بها حكام مالي.

 

وهنا يأتي البروفسور التركي فؤاد سيزغين .. مؤرخ العلوم الإسلامية في معهد العلوم التاريخية في العالم العربي والإسلامي بجامعة غوته الألمانية .. الذي قضى ستة وعشرين عاما يبحث في تاريخ الخرائط .. وقال إن المسلمين هم من اكتشفوا القارة الأمريكية قبل كولومبوس ووثق هذا في كتبه .. وقال إن الخرائط التي بين أيدينا اليوم والتي يقال إن الرسامين الأوروبيين رسموها استندت كليا على خرائط قديمة وضعها رسامو الخرائط من المسلمين .. وقال إن المستكشف البرتغالي فاسكو دا غاما وصل إلى الهند مستندا إلى الخرائط التي وضعها المسلمون .. وإنه بعد عودته وضع خرائط للقارة الأفريقية والمحيط الهندي في شهرين أو ثلاثة وهذا مستحيل فهذه الخرائط لا يمكن رسمها حتى في خمسمائة عام .. وذكر أن الإنجليز رغم تقدمهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلا أن رسم الحدود الخارجية لقارة أستراليا استغرق منهم مائتي عام .. وقال إن المسلمين كانوا ممن استوطنوا هناك وبحاجة لبناء مسجد .. وأنه في عام 1987 نشر كتابا حول نتائج بحثه وأرسل نسخة إلى الرئيس الألماني ريتشارد فون فايتساكر وكتب في المقدمة سأثبت أن من وضع هذه الخرائط هم المسلمون .. فرد عليه الرئيس الألماني إني قرأت طرحك وفي حال أثبت صحة ما تدعيه فإن ذلك يعد ثورة في تاريخ العلوم .. وبعد خمس عشرة سنة أرسل له المجلد العاشر والحادي عشر فأقر الرئيس بأن المسلمين هم من وضع هذه الخرائط.

 

وهذا ما أيده الدكتور كريج كونسيداين أستاذ علم الاجتماع بجامعة رايس في كتابه المسلمون في أمريكا اختبار الحقائق حين طرح سؤالا هل اكتشف المسلمون القارة الأمريكية قبل كولومبوس وأجاب بنعم مستدلا بالوثائق والسجلات والآثار التاريخية .. وذكر الباحث عبد الله حكيم كويك في كتابه جذور أعمق أن مسلمي أوروبا وأفريقيا قطعوا مسافات كبيرة عبر المحيط وتفاعلوا ثقافيا وتجاريا مع الهنود الحمر.

 

وحتى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صرح أن باحثين أتراكا ومن دول أخرى أثبتوا أن من اكتشف القارة الأمريكية هم المسلمون قبل كولومبوس.

 

رابعا .. الحقيقة الثابتة التي لا جدال فيها .. السكان الأصليون

 

كل هذا الجدل عن كولومبوس والمسلمين والفايكنج ينسى حقيقة واحدة ثابتة .. أن القارة الأمريكية كانت مأهولة بحضارات وسكان أصليين عاشوا فيها قبل الجميع بآلاف السنين .. حضارة المايا والآزتك والإنكا .. حضارات بنت أهرامات أكبر من أهرامات مصر ومدنا فيها شوارع ومكتبات ومراصد فلكية .. عاشوا فيها منذ اثني عشر ألف عام .. فهم المكتشفون الحقيقيون لأمريكا .. أما كولومبوس والمسلمون والفايكنج فكلهم وافدون.

 

 

ماذا أقول؟

 

آقول تاريخيا وبالمفهوم الرسمي العالمي ينسب اكتشاف أمريكا إلى كريستوفر كولومبوس عام 1492م لأنه صاحب أول اتصال موثق ودائم .. أما الفايكنج فقد وصلوا قبله لكنهم لم يبقوا .. وأما المسلمون فهناك فرضيات ودراسات تاريخية ومراجع تشير إلى احتمالية وصولهم .. مثل رحلة “خشخاش بن سعيد بن أسود” في القرن التاسع ورحلتي أبو بكاري عام 1311م والمغرورين من لشبونة .. لكنها تظل في نطاق الروايات التاريخية غير الموثقة رسميا في التاريخ العالمي العام .. لكنها تستحق البحث .. لأنها تذكرنا أن المسلمين كانوا رواد بحار قبل أن ينغلق الأطلسي.

 

وفي النهاية الثاني عشر من أكتوبر ليس يوم رجل واحد .. بل يوم حضارات .. حضارة إسلامية كانت ترسم الخرائط .. وحضارة أوروبية كانت تبحث عن طريق .. وحضارة أمريكية أصلية كانت تنتظر مصيرها.

 

وأقول .. إذا كان كولومبوس قد اكتشف أمريكا وهو يظن أنه في الهند .. فقد اكتشف المسلمون الأطلسي وهم يعلمون أن وراءه أرضا .. كما قال المسعودي كل إسباني يعرف قصة ابن الأسود …..

 

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى