ناصر السعيدي.. معلمٌ نحت الجبال بقدميه ليزرع العلم في قمم يافع

يافع | خاص
في عمق التضاريس الجبلية الوعرة بمديرية سرار يافع بمحافظة أبين، حيث تتقاطع صعوبة الجغرافيا مع شح الإمكانات، تبرز سيرة تربوية لافتة لمعلمين صنعوا الفارق بإصرارهم، وكان من أبرزهم الأستاذ ناصر زين صالح ناصر السعيدي، الذي ارتبط اسمه بعقود من العطاء التربوي في واحدة من أكثر البيئات التعليمية تحدياً. بدأت ملامح مسيرته منذ سبعينيات القرن الماضي، حين التحق بالتدريس في مدرسة “أمها حمه”، في بيئة ريفية نائية كانت تفتقر لأبسط مقومات العملية التعليمية، ليجد نفسه أمام مسؤولية سد فراغ كبير في الكادر التربوي، والتعامل مع احتياجات تعليمية متعددة، شملت تدريس مواد علمية دقيقة، وفي مقدمتها مادة الرياضيات لطلاب الصفوف المتقدمة، في زمن كان فيه المعلم يشكّل حجر الأساس في بناء المجتمع. ولم تكن صعوبة المناهج وحدها التحدي، بل شكّلت المسافة اليومية إلى المدرسة اختباراً قاسياً لسنوات طويلة، إذ كان السعيدي يقطع نحو عشرة كيلومترات سيراً على الأقدام ذهاباً وإياباً، عبر طرق جبلية وعرة وشعاب قاسية، في مشهد يعكس حجم المشقة التي رافقت مسيرته، مقابل إصرار ثابت على أداء رسالته التعليمية دون انقطاع. وعلى مدى نحو خمسة وثلاثين عاماً، ظل السعيدي حاضراً في الميدان التربوي، يواصل أداء واجبه بين الأجيال، حتى أصبح أثره ممتداً عبر خريجين توزعوا بين مجالات الطب والهندسة والقوات المسلحة وغيرها من الميادين، ما يعكس حجم الدور الذي لعبه في صناعة المعرفة وبناء الإنسان في المنطقة. وفي عام 2014م، انتهت خدمته الرسمية بإحالته إلى التقاعد بعد مسيرة طويلة، غير أن المعاش التقاعدي الذي تقاضاه لم يكن بمستوى سنوات العطاء، إذ لم يتجاوز 91 ألف ريال يمني (نحو 55 دولاراً أمريكياً)، وهو مبلغ لا يوازي الحد الأدنى من متطلبات الحياة المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. هذا الواقع دفعه، رغم تقدّم العمر وتراجع الحالة الصحية، إلى العودة مجدداً للعمل التربوي بنظام التعاقد في مدرسة “رباط السنيدي” خلال فترات متفرقة حتى عام 2021م، في محاولة لمواجهة أعباء الحياة ومواصلة ما تبقى من رسالته التعليمية. ومع مرور الوقت، بدأت التحديات الصحية والمعيشية تفرض نفسها على حياته اليومية، ليجد نفسه اليوم أمام واقع صعب يحدّ من قدرته على الاستمرار، في ظل غياب أي تدخل أو دعم يتناسب مع حجم ما قدمه خلال عقود من الخدمة التربوية. وفي سياق المشهد العام، تعكس حالة السعيدي واقع شريحة واسعة من المعلمين المتقاعدين في المناطق الريفية، الذين أفنوا سنوات طويلة في خدمة التعليم، دون أن يواكب ذلك اهتمام كافٍ بظروفهم بعد انتهاء الخدمة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول آليات الرعاية والتكريم والإنصاف لهذه الفئة. وتظل سيرة الأستاذ ناصر السعيدي شاهداً حياً على جيل من المعلمين الذين واجهوا قسوة المكان وضعف الإمكانات، لكنهم ظلوا أوفياء لرسالتهم حتى النهاية، ليبقى أثرهم ممتداً في الذاكرة التعليمية والاجتماعية كأحد أعمدة بناء الأجيال في يافع.



