*القصور الذاتي. حين يقاوم الإنسان التغيير

 

كتب أ.د مهدي دبان
استاذ الفيزياء كلية العلوم
جامعة عدن

أعتبر نفسي من القلائل الذين حاولوا أن يكتبوا الفيزياء وعلاقاتها وتفسيرات الظواهر الطبيعية بطريقة أدبية لربط كل ذلك بالإنسان سلوكا وصفاتا، وإيجاد التشابه بين الظاهرة العلمية والكونية وبين ما نعيشه في حياتنا …واليوم نستمر في ذلك المسار، مع مفهوم فيزيائي قديم ومشهور، والكل يحفظه عن ظهر قلب..
قانون القصور الذاتي يقول نيوتن: الجسم الساكن يبقى ساكنا، والمتحرك يستمر في حركته بسرعة ثابتة ما لم تؤثر فيه قوة خارجية تغير من حالته تلك …فكرة تبدو بسيطة جدا في الفيزياء، لكنها عندما نضعها أمام الإنسان تصبح أكثر عمقا وإيلاما: أليس الإنسان كذلك؟ كم من إنسان بقي سنوات في المكان نفسه، يفكر بالطريقة نفسها، ويتمسك بالعادات والمواقف نفسها، ليس لأنه لا يريد التغيير، وإنما لأنه دخل في حالة من القصور الذاتي؛ أصبح ما اعتاده أقوى مما يتمناه، وما ألفه أكثر راحة من المجهول الذي ينتظره وحتى الأفكار والمجتمعات قد تدخل في هذه الحالة، فتستمر في طريقها رغم أنها تعرف أن الطريق لم يعد يقودها إلى المكان الصحيح …

ولعل هذا القصور الذاتي البشري يفسر لنا شيئا من تاريخ الإنسان؛ لماذا حورب الأنبياء والمصلحون والمفكرون، ولماذا قوبلت كثير من الأفكار الجديدة بالمقاومة والرفض؟ لأن صاحب الفكرة الجديدة لا يواجه دائما خطأ أو جهلا، بل يواجه أحيانا سكونا متراكما صنعته العادات والمصالح والخوف من المجهول وحتى دعاة نبذ الفرقة والتصالح والتسامح بين الناس، قد يجدون أنفسهم في مواجهة من اعتادوا الخصومة حتى أصبحت جزءا من حياتهم، ومن ألفوا الانقسام حتى صار التعايش بالنسبة إليهم فكرة غريبة فالإنسان قد يدافع عن واقعه لا لأنه الأفضل، وإنما لأنه المألوف، وقد يرفض الجديد لا لأنه سيئ، وإنما لأنه يطلب منه أن يتحرك من مكانه…..وهنا يصبح القصور الذاتي البشري أكثر خطورة من القصور الذاتي في الفيزياء؛ فالجسم يحتاج إلى قوة لتحريكه، أما الإنسان فيحتاج إلى وعي وشجاعة وإرادة حتى يسمح لنفسه بالحركة وربما كانت أعظم التحولات في التاريخ قد بدأت بفكرة صغيرة اصطدمت أولا بجدار السكون، ثم جاءت القوة التي كسرت ذلك السكون وفتحت طريقا جديدا للإنسان…

لكن الإنسان يختلف عن الجماد؛ فهو يستطيع أن يصنع القوة التي تغير حركته، وأن يقرر متى يخرج من سكونه ومتى يغير اتجاهه أحيانا لا يحتاج الإنسان إلى نصيحة جديدة، بل إلى قوة توقظه من سكونه؛ موقف يهزه، خسارة تفتح عينيه، تجربة تكسر ما اعتاد عليه، أو كلمة صادقة تأتي في الوقت المناسب وربما تكون بعض أقسى لحظات حياتنا هي تلك القوة الخارجية التي لم نطلبها، لكنها جاءت لتدفعنا بعيدا عن مكان كنا نظن أننا سنبقى فيه إلى الأبد فالتغيير لا يحدث دائما لأننا اقتنعنا به، بل أحيانا لأن الحياة دفعتنا إليه دفعا …وما أشبه بعض المجتمعات بجسم يتحرك في اتجاه واحد، حتى يأتي من يقول: توقفوا، تأملوا، يمكن أن نسلك طريقا آخر عندها تبدأ المقاومة، لأن كل تغيير يحتاج إلى قوة تتغلب على القصور الذاتي وهنا تصبح الفيزياء درسا إنسانيا بليغا: كلما طال سكون الإنسان، احتاج إلى قوة أكبر ليبدأ الحركة، وكلما استمرت حركته في الاتجاه الخطأ، احتاج إلى شجاعة أكبر ليغير مساره وإعادته إلى المسار الصحيح …

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى