غزة تنهض من تحت الركام

كتب / سالم السمن
بالأمس، لم يكن صباحاً عادياً في غزة. نحو مئتي ألف طالب من أصل ستمائة ألف شقوا طريقهم بين الركام إلى المدارس، ليس لأن المدارس عادت، بل لأن إرادة التعلم عادت قبلها.
المشهد لا يشبه أي عودة مدارس في العالم. المدارس مدمرة كلياً أو جزئياً، في تقديرات اليونيسف الأخيرة وصلت نسبة المباني المدرسية المتضررة إلى 97-98% ويحتاج أكثر من 93% منها لإعادة بناء كاملة. مدارس تحولت إلى مراكز إيواء، وأخرى لم يبق منها سوى ألواح صفيح.
لكن غزة لم تنتظر الإعمار.
في النصيرات ومدينة غزة وخان يونس، نُصبت الخيام. شوادر بلاستيكية، فرش ممزقة على الأرض، معلم يكتب على القماش لغياب السبورة. ومع ذلك اصطف الأطفال في طابور صباحي داخل الخيمة، كأنهم يقولون: نحن هنا.
هذه العودة ليست رقماً، هي معركة وجود. وزارة التربية والتعليم في غزة أطلقت ما تسميه التعليم المرن مدارس صالحة، ومراكز تعلم مؤقتة، ونقاط تعليم داخل الخيام، ومنصات رقمية حيثما أمكن. اليونيسف أقامت 173 مركزاً ووصلت لأكثر من 265 ألف طفل، والأونروا افتتحت 86 مساحة تعلم جديدة. اليوم الدراسي يمتد من السابعة صباحاً حتى الرابعة مساءً بثلاث فترات تناوب، ذكور وإناث بالتناوب، لتستوعب المدرسة الواحدة أكثر من ألفي طالب.
الظروف قاسية باعتراف الطلبة أنفسهم: “الظروف الآن صعبة والحقائب غالية، بيوتنا مدمرة ونحن نعيش في خيام، وكذلك المدرسة أصبحت خياماً”. يدرسون ثلاث ساعات يومياً، 12 حصة في الأسبوع، بكثافة تتجاوز 80 طالباً في الغرفة الواحدة، ويجلس كثيرون على الأرض. 69fe
ومع ذلك، هذه هي النهضة الحقيقية.
غزة التي فقدت أكثر من 21 ألف طالب و 750 معلماً خلال الحرب، وفقدت 59 مبنى مدرسياً حكومياً و30 مدرسة خاصة دماراً كاملاً، ترفض أن تتحول الخسارة البشرية إلى خسارة معرفية.
أن يتوجه 200 ألف طالب أمس من أصل 600 ألف، ليس إحصائية ناقصة، بل هو إعلان انتصار. 200 ألف رسالة تقول إن القصف يستطيع أن يهدم الجدران، لكنه لا يستطيع أن يهدم رغبة طفل في أن يتعلم كيف يكتب اسمه.
شيدوا الخيام لتلقي الدروس فيها، لأنهم فهموا مبكراً ما لم يفهمه العالم: إعادة إعمار الإنسان يجب أن تسبق إعادة إعمار الحجر. ومن تحت 60 مليون طن من الركام، ينهض جيل جديد سيكتب على الشادر إن لم يجد سبورة، وسيقرأ تحت الشمس إن لم يجد سقفاً.
تحية لغزة الصمود غزة الارادة غزة النضال والفداء والأباء غزة الجهاد والنصر والتمكين نعم. انتم شعب الجبارون.
✍🏻 سالم سمن.








