الإدارة الذاتية للمحافظات: حل وسط أم تأجيل للانفجار؟

صالح علي محمد الدويل

17 مايو 2026م

طرح أبو بكر القربي صيغة “الإدارة الذاتية للمحافظات” كجسر انتقالي للحفاظ على وحدة اليمن. الطرح مغري نظرياً: تفويض صلاحيات الخدمات والتنمية يخفف عبء المركز العاجز ويمنح المواطن شعوراً بإدارة شأنه. لكن بين الفكرة والتطبيق ثغرات تجعلها أقرب لإدارة أزمة من حلها.

فالمقترح يراهن على “الشرعية التوافقية” في وقت لا يوجد فيه توافق. قانون السلطة المحلية صيغ لدولة مركزية تمسك بكل شيء لا لبلد مقسم عملياً بين سلطات متعددة. منح صلاحيات إدارية دون إعادة تعريف من يملك السلاح والمال يعني إنتاج 21 نسخة مصغرة من الفشل القائم.

التوقيت يكشف الهدف السياسي. فالطرح يأتي قبل مؤتمرات جنوبية مرتقبة، فيبدو محاولة لاستباق مطالب فك الارتباط بعرض أقل منه. مثل هذه الصيغ لا تنجح إلا إذا اقترنت باعتراف سياسي بالمشكلة، وآلية تفاوض وتصويت، وضمانات دستورية. بدونها تصبح مجرد لامركزية شكلية.

لماذا الآن؟
التوقيت ليس صدفة. قبيل حراك سياسي جنوبي برعاية الرياض، يُقدَّم المقترح بديلاً لخيار “إقليم جنوبي واحد” أو فك الارتباط أو استفتاء لشعب الجنوب. ومع انسداد المسار العسكري وعجز أي طرف عن الحسم، تعود الحلول الإدارية كبديل مؤقت. كما أن الضغط الإقليمي والدولي نحو “تسوية شاملة” و”وقف إطلاق نار دائم” يجعل الإدارة الذاتية صيغة قابلة للتسويق: تحافظ على وحدة الدولة شكلاً، وترضي المطالب المحلية مضموناً.

المشكلة أن معظم النخب السياسية الشمالية تطرح الحلول وتريد فرضها على أبناء الجنوب منطلق الحفاظ على الوحدة، في حين تتجاهل أن محافظات الشمال ودولتهم اليمنية ما تزال مختطفة من قبل جماعة الحوثي. هذه النخب تستغل حالة الانتقالي لإحياء أدواتها وأحزابها القديمة، بينما تفكيرها منصب على بقاء أراضي الجنوب المحررة رهينة باسم الوحدة، دون حتى الاعتراف بحق أبناء الجنوب في تقرير مصيرهم عبر الاستفتاء. وهذه هي مشكلة الجنوب أرضاً وإنساناً مع نخب الشمال وكافة قواه السياسية والمجتمعية.

التجارب المقارنة تقول إن اللامركزية الناجحة تحتاج دولة مركزية قوية بما يكفي لحفظ الوحدة، وضعيفة بما يكفي لترك المجال للمحافظات. اليمن اليوم لا يملك هذه المعادلة.

رؤية القربي تفتح نقاشاً ضرورياً لكنها لن تنقذ الوحدة ما لم تجب بوضوح: من يمسك بالأمن؟ ومن يوزع المال؟

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى