عاشق النخيل

كتب / م. عبدالقادر خضر السميطي
هذه أرضُ أبين… فلنزرعها نخيلًا
إذا أردت أن ترى مستقبل أبين، فلا تنظر إلى الصحراء كما هي اليوم، بل تخيلها غاباتٍ من النخيل، تتمايل سعفها مع الرياح، وتحمل الخير لأجيالٍ لم تولد بعد.
*النخلة… شجرة البركة والحضارة*
عمتنا النخلة حكاية وطن، ورمز حضارة، ورسالة حياة. إنها الشجرة التي اختصها الله بالبركة، فكانت رفيقة الإنسان في أصعب البيئات، تمنحه الغذاء والظل والجمال والخير، وتبقى معطاءة حتى بعد انتهاء عمرها.
كلما وقفت أمام نخلة، شعرت أنك تقف أمام مدرسة في الصبر والعطاء. جذورها تمتد عميقًا في الأرض، وقمتها تعانق السماء، فلا تنكسر أمام الحر، ولا تشتكي من قسوة المناخ، بل تواصل العطاء عامًا بعد عام، وكأنها تعلمنا أن الأوطان لا تُبنى إلا بالصبر والعمل.
*أبين… الأرض التي تنتظر غابات النخيل*
وإذا كانت هناك محافظة تستحق أن تصبح عاصمةً للنخيل في اليمن بعد حضرموت، فهي أبين؛ بتاريخها الزراعي العريق، وأراضيها الواسعة، وسهولها الخصبة، وساحلها الطويل، ومناخها الملائم، وما تمتلكه من مساحات شاسعة في دلتا أبين، وصحراء جعولة، والحرور، والطرية، وشقرة، وساحل أبين، وغيرها من المناطق التي ما زالت تنتظر من يعيد إليها الحياة.
لقد عُرفت دلتا أبين عبر التاريخ بأنها سلة غذاء اليمن والجنوب، وكانت نموذجًا للزراعة والإنتاج. واليوم، ومع التحديات التي فرضها الجفاف، والتغيرات المناخية، وتراجع الموارد المائية، أصبح من الضروري البحث عن محاصيل استراتيجية أكثر قدرة على التكيف، وفي مقدمتها النخيل.
*النخيل… مشروع اقتصادي وتنموي متكامل*
النخلة ليست مجرد محصول زراعي، بل مشروع اقتصادي متكامل. فهي تنتج التمور بمختلف أصنافها، وتوفر مواد خامًا للصناعات الغذائية والحرفية، ويُستفاد من سعفها وليفها وجذوعها، كما تسهم في تثبيت التربة، والحد من التصحر، وتحسين البيئة، وخلق آلاف فرص العمل في الزراعة والتصنيع والتسويق.
فلماذا لا تتحول صحراء جعولة إلى غابات من النخيل؟ ولماذا لا يصبح ساحل أبين حزامًا أخضر يحمي الأرض من زحف الرمال ويمنحها حياة جديدة؟ ولماذا لا تزدهر شقرة، والحرور، والطرية، وبقية المناطق الصالحة بزراعة التمور، فتتحول إلى مراكز إنتاج تُعرف بها أبين داخل اليمن وخارجه؟
*من الحلم إلى المشروع*
إن ما ينقصنا ليس الأرض، ولا المناخ، بل الرؤية، والإرادة، والتخطيط. نحتاج إلى مشروع وطني يبدأ بإنتاج الفسائل السليمة، وإنشاء مشاتل حديثة، والاستفادة من تقنيات الزراعة النسيجية، وتوفير الإرشاد الزراعي، وتشجيع المستثمرين، وإنشاء مصانع لتعبئة وتصنيع التمور، حتى تتحول كل نخلة إلى مصدر دخل، وكل بستان إلى مشروع تنمية مستدامة.
*رسالة إلى كل مزارع*
أيها المزارع… لا تسأل النخلة كم ستمنحك من التمر، بل اسأل نفسك ماذا قدمت لها وللأرض التي أنجبتها. فالنخلة لا تخذل من يرعاها، ولا تبخل على من أحبها، لكنها تحتاج إلى من يغرسها ويصبر عليها، لأنها لا تبني مستقبل فرد، بل مستقبل أجيال.
ازرع نخلة… وكأنك تزرع موعدًا مع الفرح.
ازرع نخلة… وكأنك تكتب رسالة حب إلى وطنك.
ازرع نخلة… وكأنك تترك لأحفادك إرثًا لا يذبل.
*مبادرة مليون نخلة في أبين*
لقد آن الأوان لأن تتحول محبة النخيل إلى مشروع تنموي حقيقي، ومن هنا ندعو إلى إطلاق مبادرة “مليون نخلة في أبين”، لتشمل دلتا أبين، وساحلها، والطرية، وجعولة، والجبلين، وملحة، وحميشانة، والحرور، وشقرة، وسائر الأراضي المناسبة لزراعة النخيل في المحافظة.
هذه المبادرة ليست حلمًا، بل مشروعًا قابلًا للتنفيذ إذا تكاتفت جهود الدولة، والسلطة المحلية، والقطاع الخاص، والمانحين، والمؤسسات البحثية، والمزارعين. ويبدأ ذلك بحفر الآبار في المناطق الصحراوية، وإنشاء شبكات الري، ثم إنتاج الفسائل الجيدة، وإنشاء المشاتل المتخصصة، واستخدام تقنيات الري الحديثة، ودعم المزارعين، وتشجيع الاستثمار في زراعة النخيل وصناعة التمور.
*ثمار المبادرة… مستقبل أبين الأخضر*
إن مليون نخلة تُغرس اليوم تعني بعد سنوات ملايين الكيلوغرامات من التمور، وآلاف فرص العمل، ومصدر دخل مستدام للأسر، وحزامًا أخضر يحد من التصحر، وبيئة أكثر استقرارًا، واقتصادًا زراعيًا أكثر قوة، وإرثًا يبقى للأجيال القادمة.
*عهدٌ بين الإنسان والأرض*
فلنجعل من زراعة النخيل مشروع عشق، لا مشروع زراعة فقط. ولنجعل كل فسيلة تُغرس في دلتا أبين، أو في جعولة، أو الحرور، أو الطرية، أو شقرة، أو على امتداد ساحل أبين، وعدًا بالحياة، ورسالة وفاء لهذه الأرض الطيبة.
*فهذه أرضُ أبين… فلنزرعها نخيلًا.*
ولتكن كل نخلة صدقةً جارية، وكل بستان قصيدةً خضراء، وكل ثمرة وعدًا بأن الخير لا يموت ما دام في هذه الأرض من يحبها، ويؤمن بها، ويغرس فيها قلبه قبل أن يغرس فسيلته.
م. عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين
عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة








